FluentPlex

Table-Talk

من أخبار متخلفي المورثين - 2

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

فقال: أليس يرجع من ثمنها درهمان؟ فقال له أحدهم: كأنك تريد ما لا يرجع شيء منه البتة؟ فقال: نعم.

فقال: تشتري ما شئت من الأمتعة، وتخرج به إلى الأعراب، فتبيعه عليهم، وتأخذ سفاتجهم إلى الأكراد، وتأخذ سفاتجهم إلى الأعراب.

قال: وكان يعمل هذا، حتى فني ماله.

من أخبار متخلفي المورثين - 2

وبلغني أن آخر، أسرع في ماله، فبقيت منه نحو خمسة آلاف دينار، فقال: أريد أن تفنى بسرعة، حتى انظر أي شيء أعمل بعدها.

فعرضت عليه أشياء من هذا الجنس، فلم يردها.

فقال له بعض أصحابه: تبتاع زجاجاً مخروطاً بالمال كله، إلا خمسمائة دينار، وتعبيه، ويكون في نهاية الحسن، وتنفق الخمسمائة دينار في يوم واحد، في جذور المغنيات، والفاكهة، والطيب، والشراب، والثلج، والطعام، فإذا قارب الشراب أن يفنى، أطلقت فارتين في الزجاج، وأطلقت خلفهما سنوراً، فيتعادى الفار والسنور في الزجاج، فيتكسر جميعه، وتنهب الباقي.

فقال: هذا طيب.

فعمل ذلك، وجلس يشرب، فحين سكر، قال: هي، وأطلق الرجل الفارتين والسنور، وتكسر الزجاج، وهو يضحك، ونام.

وقام الرجل ورفقاؤه، فجمعوا ذلك الزجاج، وعملوا من قنينة قد تشعثت قدحاً، ومن قدح قد تكسر برنية غالية، ولزقوا ما تصدع، وباعوه بينهم، فرجع عليهم منه دراهم صالحة اقتسموها، وانصرفوا عن الرجل، فلم يعرفوا خبره.

فلما كان بعد سنة، قال صاحب المشورة، بالزجاج والفار والسنور، لو مضيت إلى ذلك المدبر، فعرفت خبره.

فجاء، فإذا هو قد باع قماش بيته، وأنفقه، ونقص داره، وباعها، وسقوفها، حتى لم يبق إلا الدهليز، وهو نائم فيه، على قطن، متغط بقطن قد فتق من لحف وفرش، بيعت وبقي القطن، فهو يتوطاه، ويتغطى به من البرد.

قال: فرأيته، وكأنه سفرجل بين القطنين.

فقلت: يا ميشوم، ما هذا؟ قال: ما تراه.

فقلت: في نفسك حسرة؟ قال: نعم.

قلت: ما هي؟ قال: أشتهي أن أرى فلانة، مغنية كان يعشقها، واتلف أكثر المال عليها.

قال: وبكى، فرققت له، وأعطيته من منزلي ثياباً، فلبسها، وجئنا إلى بيت المغنية، فقدرت أن حاله قد ثابت، فدخلنا إليها، فحين رأته، أكرمته، وبشت به، وسألته عن خبره، فصدقها عن الصورة.

فقالت له في الحال: قم ، قم.

قال: لم؟ قالت: لئلا تجيء ستي وتراك وليس معك شيء فحرد علي لم أدخلتك، فاخرج إلى برا حتى أصعد أكلمك من فوق.

فخرج، وجلس ينتظر أن تخاطبه من روزنة في الدار إلى الشارع، وهو جالس.

فقلبت عليه مرقة من قدر سكباج، وصيرته آية ونكالاً، وضحكت.

فبكى، وقال: يا أبا فلان، بلغ أمري إلى هذا؟ أشهد الله، وأشهدك أني تائب.

قال: فأخذت أطنز به، وقلت: أيش تنفعك التوبة الآن؟ قال: ورددته إلى بيته، ونزعت ثيابي عنه، وتركته بين القطن، كما كان أولاً، وحملت ثيابي، فغسلتها، وأيست منه، فما عرفت له خبراً، نحو ثلاث سنين.

فأنا ذات يوم، في باب الطاق فإذا بغلام يطرق لرجل راكب، فرفعت رأسي إليه، فإذا به على برذون فاره، بمركب خفيف مليح فضة، وثياب حسنة، ودراريع فاخرة، وطيب طيب، وكان من أولاد الكتاب، وكان قديماً أيام يساره يركب الدواب من الدواب أفرهها، ومن المراكب أفخرها، وآلته وثيابه، وقماشه أفخر شيء مما كان يقدر عليه، أو ورثه عن والديه.

فحين رآني، قال: فلان، فعلمت أن حاله قد صلحت، فقبلت فخذه، وقلت: يا سيدي أبو فلان.

فقال: نعم.

قلت: إيش هذا؟ قال: صنع الله، والحمد له، البيت، البيت، فتبعته، حتى انتهى إلى بابه، فإذا بالدار الأولة، قد رمها، وجعلها صحناً واحداً، فيه بستان، وجصصها من غير بياض وطبقها، وترك فيها مجلساً واحداً، حسناً، عامراً، وجعل باقي المجالس صحناً، وقد صارت طيبة، إلا أنها ليست بذلك السرو الأول.

وأدخلني إلى حجرة كانت له قديماً، يخلو فيها، وقد أعادها إلى أحسن ما كانت عليه، وفيها فرش حسن ليس من ذلك الجنس، وفي داره أربعة غلمان، قد جعل كل خدمتين إلى واحد منهم، وخادم شيخ، كنت أعرفه له، قد رده، وجعله بواباً، وشاكري، وهو سائسه.

وجلس، فجاؤوه بآلة مقتصدة نظيفة، فخدم بها، وبفاكهة مختصرة متوسطة، وطعام نظيف كاف، إلا أنه قليل، فأكلنا، وبنبيذ تمر جيد، فجعلوه بين يدي، وبمطبوخ جيد بين يديه.

ومدت ستارة، فإذا بغناء طيب، وبخر بعود طري وند جميعاً، وأنا متشوف إلى علم السبب.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا