FluentPlex

Table-Talk

أبو جعفر في ضيافة أبي بكر المادرائي

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

قال: وما الذي جئت فيه؟ قلت له: والدي بعثني إليك برقعة، يسألك فيها، قرض عشرة أرادب قمحاً، وثلاثين زوج بقر. قال: وهو الآن بالفسطاط؟ قلت: لا يا سيدي، هو بتلا.

قال: نعم، وإنما ذاك الفتى أخوك؟ قلت: لا، أنا هو.

فهو يراجعني الكلام، وقد ضجرت من شدة غفلته، وكثرة نسانه لما أقول له، حتى أقبل كاتبه أبو الحسين.

فقال له: سل هذا الفتى ما أراد؟ فسألني، فعرفته، فأخبره.

فقال: نفذ حاجته.

فوقع لي الكاتب بما أراد، وقال: تلقاني للقبض بالديوان.

فشكرت الشريف، ونهضت، فقال: اصبر يا بني، فقد حضر طعامنا وقدم الطعام، وفيه حصرمية غير محكمة، فرفع يده، وقال: مثل مطبخي، يكون فيه مثل هذه؟، علي بالطباخ، فأتى.

فقال له: ما هذا العمل؟ فقال: يا سيدي، إنما أنا صانع، وعلى قدر ما أعطى، أعمل، وقد سألت المنفق أن يشتري لي ما أحتاج إليه، فتأخر عني، فعملت على غير تمكن، فجاء التقصير كما ترى.

فقال: علي بالمنفق.

فأحضر. فقال: ما لي قليل؟ قال: لا يا سيدي، بل عندك نعم واسعة.

قال: فما لك تضايقنا في النفقة؟ ولا توسع كما وسع الله علينا؟ قال: يا سيدي، إنما أنفق ما أعطى، وقد سألت الجهبذ أن يدفع لي، فتأخر عني.

قال: علي بالجهبذ.

فأتي به، فقال: ما لك لم تدفع للمنفق شيئاً؟ قال: لم يوقع لي الكاتب.

فقال الكاتب: لم لم تدفع إليه شيئاً؟ فتعلثم في الكلام، ولم يكن عنده جواب.

فقال للكاتب: قف هنا، فوقف، ووقف خلفه الجهبذ، ووقف خلف الجهبذ المنفق، وخلف المنفق الطباخ.

وقال: نفيت من العباس، إن لم يصفع كل واحد منكم، من يليه بأكثر ما يقدر عليه. فتصافعوا.

قال: فخرجت، وأنا متعجب من غباوته، ورقاعته في هذا الحكم.

لقد ذهب الحمار بأم عمرو

ودخل عليه كابه أبو الحسين، فوجده يبكي بكاء شديداً، ويقول: وانقصام ظهراه، واهلاكاه.

فقلت: ما للشريف، لا أبكى الله عينه؟ فقال: ماتت الكبيرة، يريد أمه، وكان باراً بها.

فقلت: ماتت؟ قال: نعم.

فشققت جيبي، وأظهرت من الجزع ما يجي لمثلي، ثم إني أنكرت الحال، إذ لم أجد لذلك دليلاً. لا أحد يعزيه، ولا في الدار حركة، فبقيت حائراً حتى أتت الخادمة، فقالت: الكبيرة تقرؤك السلام، وتقول لك: أيش تأكل اليوم؟ قال: قول لها، ومتى أكلت قط بغير شهوتك؟ فقلت: يا سيدي، والكبيرة في الحياة؟ فقال: وأيش تظن أنها ماتت من حق؟ إنما رأيت البارحة في المنام، كأنها راكبة على حمار مصري، تسقيه من النيل، فذكرت قول للشاعر:

لقد ذهب الحمار بأم عمرو

والله لقد أنسيت

وقال أبو الحسين، كاتبه: وأتيت إليه يوماً، وقد ماتت والدتي، فعرفته، فبكى، وقال: ماتت كبيرتي ومربيتي، وهو أكبر منها بأربعين سنة.

ثم قال لغلامه: يا بشر، قم فجئني بعشرين ديناراً، فأتاه بها.

فقال: خذها، فاشتر بعشرة دنانير كفناً، وتصدق بخمسة دنانير على القبر. وأقبل يصرف الخمسة الباقية، فيما يحتاج إليه من تجهيزها.

ثم قال الغلام آخر: امض أنت يا لؤلؤ، إلى فلان صاحبنا، لا يفوتك، يغسلها.

فاستحييت منه، وقلت: يا سيدي، ابعث خلف فلانة، جارة لنا، تغسلها.

قال: يا أبا الحسين، ما تدع عقلك في فرح ولا حزن، كأن حرمك ما هي حرمي؟ كيف يدخل عليها من لا تعرفه؟ قلت: نعم، تأذن لي بذلك؟ قال: لا والله، وما يغسلها إلا فلان.

فقلت: وكيف يغسل رجل امرأة؟ قال: وإنما أمك امرأة؟ والله لقد أنسيت.

أبو جعفر في ضيافة أبي بكر المادرائي

وكان يوماً عند ابي بكر المادرائي، ثم خرج وهو طيب الحلق، فاجتاز بأبي زنبور، فسمع خفق أوتار، وغناء في داخل الدار، فوقف يتسمع، فرآه غلام لأبي زنبور، فدخل، فأعلم مولاه، فخرج حافياً، وقال: يا مولاي الشريف تشرفني بالدخول؟ قال: نعم.

فدخل، فقدم له طعاماً، فاكل، وشرب ثلاثة أقداح، وغني ثلاثة أصوات، وانصرف، فنام ليلته.

فلما أصبح، قال: يا بشرى، جئني الساعة، بأبي شامة العابر.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا