فندمت، وقلت: إن أنا وجدت فيه حيلة وكشفتها له، لم آمن أن يقتلني في الدار، وإن لم أجد، طالبني بتصديقه، فكيف أعمل؟ قال: وفكرت في البيت، فدققت تأزيره، وكان مؤزراً بإزار ساج، فإذا بعض التأزير فارغ، فحركت منه جسرية خمنت عليها، فإذا هي قد انقلعت، فدخلت فيها، فإذا ثم باب مسمر، فولجت منه إلى دار كبيرة، فيها بستان عظيم، فيه صنوف الأشجار، والثمار، والنوار، والريحان، التي هي في وقتها، وما ليس هو في وقته، مما قد عتق، وغطي، واحتيل في بقائه، وإذا بخزائن مليحة، فيها أنواع الأطعمة المفروغ منها، والحوائج لما يعمل في الحال، إذ طلب، وإذا بركة كبيرة في الدار، فخضتها، فإذا هي مملوءة سمكاً، كباراً وصغاراً، فاصطدمت واحدة كبيرة، وخرجت، فإذا رجلي قد صارت بالوحل والماء إلى حد ما رأيت رجله.
فقلت: الآن إن خرجت، ورأى هذا معي، فقتلني، فقلت: أحيال عليه في الخروج.
فلما رجعت إلى البيت، أقبلت أقول: آمنت، وصدقت.
فقال لي: ما لك؟ قلت: ما هاهنا حيلة، وليس إلا التصديق بك.
قال: فاخرج.
فخرجت، وقد بعد عن الباب، وتموه عليه قولي، فحين خرجت، أقبلت أعدو إلى باب الدار، ورأى السمكة معي، فقصدني، وعلم أني قد عرفت حيلته، فأقبل يعدو خلفي، فلحقني، فضربت بالسمكة صدره ووجهه، وقلت له: أتعبتني، حتى مضيت إلى اليم، فاستخرجت لك هذه منه.
قال: فاشتغل عني بصدره وبعينيه، وما أصابه من السمكة، وخرجت.
فلما صرت خارج الدار، طرحت نفسي مستلقياً، لما لحقني من الجزع والفزع.
فخرج إلي، وصاح بي، وقال: ادخل.
فقلت: هيهات، والله لئن دخلت، لا تركتني أخرج أبداً.
فقال: اسمع، والله لئن شئت قتلك على فراشك، لأفعلن، ولئن سمعت بهذه الحكاية لأقتلنك، ولو كنت في تخوم الأرض، وما دام خبرها مستوراً، فأنت آمن على نفسك، امض الآن حيث شئت، وتركني، ودخل.
فعلمت أنه يقدر على ذلك، بأن يدس أحد من يطيعه ويعتقد فيه ما يعتقد، فيقتلني.
فما حكيت الحكاية، إلى أن قتل.
؟من أقوال الحلاج وتواقيعه وكان الحلاج، له الكتب المصنفة في مذاهبه، يسلك في كلامه فيها، مذاهب الصوفية، في الهوس، ويكثر من ذكر النور الشعشعاني، وإذا أفصح بكلام مفهوم، كان ترسله حسناً، وتلفظه به مليحاً.
أخبرني بعض أصحابه من الكتاب، قال: خرج له توقيع إلى بعض دعاته، تلاه علي، فحفظت منه قوله فيه: وقد الآن أوانك، للدولة الغراء، الفاطمية الزهراء، المحفوفة بأهل الأرض والسماء، وأذن للفئة الظاهرة، مع قوة ضعفها في الخروج إلى خراسان، ليكشف الحق قناعه، ويبسط العدل باعه.
وأخبرني هذا الرجل، عمن حدثه من أصحابه، قال: كنا معه في بعض طرقات بغداد، فسمعنا زمراً طيباً شجياً.
فقال بعضنا: ما هذا؟ فقال لنا هو: هذا نوح إبليس على الدنيا.
؟؟؟؟؟؟؟؟؟ضرب العود
يماثل صوت الهيب في أصول النخل: حدثني أبو محمد بن محمد اليومني البصري، وكان علامة لهم حسن النشوار، رواية للأخبار، ثقة، قال: اجتاز بعض البصريين، ومعه ابن له حدث، في طريق، فسمعا صوت ضرب عود، فاستطابه الفتى.
فقال لأبيه: يا أبت ما هذا؟ قال: يا بني، هذا صوت الهيب في أصول النخل.
والهيب: حديدة عظيمة كالبيرم يقلع بها أصول النخل، لا تنقلع إلا بها وهي تسمى ببغداد العتلة فمنها منبسط كالأسطام محدد، وتكون ثقيلة، لعل فيها نحو العشرة أمناء.
أبو جعفر الصيمري
وزيره معز الدولة يسخف في مجلس العمل: وكان هذا البومني حسن البلاغة، طويل اللسان، يتكلم في أمور الكافة بالبصرة، إذا عرضت المهمات العظام، ويناظر السلطان.
فلما جاء أبو جعفر الصيمري إلى هناك، وطالب الناس بالمعطل - ولهذه المطالبة شرح طويل - ناظره البومني في أنها غير واجبة، فلم ينزل تحت الحجة، وأخلد إلى القدرة.
فوعظه البومني، وقال: أيها الإستاذ، إن بلدنا، بلد كثير الصالحين، ضعيف الأهل، ما خير قط لمن ظلمهم، وإن أهله يكلونك إلى الله تعالى، ويومونك بسهام الأسحار، يعني الدعاء.
فقلب الصيمري الكلام إلى السخف، وكان شديد الإستعمال له ظاهراً في مجلس الحفل والعمل، فقال: يا شيخ، سهام الأسحار لحيتك، يعني الضراط.
أبو علي الجبائي والحلاج