ووقع الاتفاق على أن يحضر بعد عشاء الآخرة، ومعه جماعة من أصحابه، وقوم على بغال مؤكفة، يجرون مجرى الساسه، ليجعل على واحد منها، ويدخل في غمار القوم.
وأوصاه بأن يضربه ألف سوط ، فإن تلف، حز رأسه، واحتفظ به، وأحرق جثته.
وقال له حامد: إن قال ذلك: أجري لك الفرات ذهباً وفضة، فلا تقبل منه، ولا ترفع الضرب عنه.
فلما كان بعد عشاء الآخرة، وافى محمد بن عبد الصمد، إلى حامد، ومعه رجاله، والبغال المؤكفة، فتقدم إلى غلمانه، بالركوب معه، حتى يصل إلى مجلس الشرطة، وتقدم إلى الغلام الموكل به، بإخراجه من الموضع الذي هو فيه، وتسليمه إلى أصحاب محمد بن عبد الصمد.
فحكى الغلام: أنه لما فتح الباب عنه، وأمره بالخروج، وهو وقت لم يكن يفتح عنه في مثله، قال له: من عند الوزير؟ فقال: محمد بن عبد الصمد.
فقال: ذهبنا واله.
وأخرج، وأركب بعض تلك البغال المؤكفة، واختلط بجمله الساسة، وركب غلمان حامد معه، حتى أوصلوه إلى الجسر، ثم انصرفوا.
وبات هناك محمد بن عبد الصمد، ورجاله مجتمعون حول المجلس.
فلما أصبح يوم الثلاثاء، لست بقين من ذي القعدة، أخرج الحلاج إلى رحبة المجلس، وأمر الجلاد بضربه بالسوط، واجتمع من العامة خلق كثير لا يحصى عددهم، فضرب إلى تمام الألف سوط، وما استعفى، ولا تأوه.
بل لما بلغ إلى ستمائة سوط، قال لمحمد بن عبد الصمد: ادع بي إليك، فإن عندي نصيحة، تعدل فتح القسطنطينية.
فقال له محمد: قد قيل لي إنك ستقول هذا، وما هو أكثر منه، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل.
ولما بلغ ألف سوط، قطعت يده، ثم رجله، ثم يده، ثم رجله، وحز رأسه، وأحرقت جثته.
وحضرت في هذا الوقت، وكنت واقفاً على ظهر دابتي، خارج المجلس، والجثة تقلب على الجمر، والنيران تتوقد، ولما صارت رماداً، ألقيت في دجلة.
ونصب الرأس يومين ببغداد، على الجسر، ثم حمل إلى خراسان، وطيف به في النواحي، وأقبل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوماً.
واتفق أن زادت دجلة في تلك السنة، زيادة فيها فضل، فادعى أصحابه، أن ذلك بسببه، ولأن الرماد خالط الماء.
وزعم بعض أصحاب الحلاج، أن المضروب، عدو الحلاج، ألقي شبهه عليه.
وادعى بعضهم، أنهم رأوه في ذلك اليوم، بعد الذي عاينوه من أمره، والحال التي جرت عليه، وهو راكب حماراً، في طريق النهروان، ففرحوا به، وقال: لعلكم مثل هؤلاء البقر الذين ظنوا أني أنا المضروب والمقتول.
وزعم بعضهم: أن دابة حولت في صورته.
وكان نصر الحاجب بعد ذلك، يظهر الترثي له، ويقول: إنه مظلوم، وإنه رجل من العباد.
وأحضر جماعة من الوراقين، وأحلفوا على أن لا يبيعوا شيئاً من كتب الحلاج ولا يشتروها.
الخليفة يدعو القاضي حفص بن غياث
فيستمهله حتى يفرغ من أمر الخصوم أنبأنا علي بن المحسن، قال: أنبأنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: حدثني عمر بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور، عن أبي هشام الرفاعي: أن حفص بن غياث كان جالساً في الشرقية للقضاء، فأرسل إليه الخليفة يدعوه.
فقال له: حتى أفرغ من أمر الخصوم، إذ كنت أجيراً لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين.
ولم يقم حتى تفرق الخصوم.
القاضي حفص بن غياث
تمر أحكامه وقضاياه كالقدح أنبأنا علي بن المحسن، قال: أنبأنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: أخبرني عبد الباقي بن قانع، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن رزق، قال: لما ولي حفص بن غياث القضاء بالكوفة، قال لهم أبو يوسف: اكسروا دفتراً لتكتبوا فيه نوادر قضاياه، فمرت قضاياه وأحكامه كالقدح.
فقالوا لأبي يوسف: أنا ترى؟ قال: ما أصنع بقيام الليل.
يريد أن الله وفقه - بصلاة الليل - في الحكم.
الحسن بن وهب يرثي أبا تمام الطائي
أنبأنا علي بن أبي علي المعدل، قال: حدثنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني، قال: أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني محمد بن موسى، قال: قال الحسن بن وهب، يرثي أبا تمام الطائي.
فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معاً فتجاورا في حفرةٍ ... وكذلك كانا قبل في الأحياء
مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر