FluentPlex

Table-Talk

محاكمة الحلاج

Original text Public domain

Read with the dictionary

وكان فيما خاطبه به حامد، أول ما حمل إليه: ألست تعلم أني قبضت عليك بدور الراسبي، وأحضرتك إلى واسط، فذكرت في دفعة أنك المهدي، وذكرت في دفعة أخرى أنك رجل صالح تدعو إلى عبادة الله، والأمر بالمعروف، فكيف ادعيت بعد الألوهية؟ وكان في الكتب الموجودة، عجائب من مكاتباته أصحابه النافذين إلى النواحي، وتوصيتهم بما يدعون الناس إليه، وما يأمرهم به من نقلهم من حال إلى أخرى، ومرتبة إلى مرتبة، حتى يبلغوا الغاية القصوى، وأن يخاطبوا كل قوم، على حسب عقولهم وأفهامهم، وعلى قدر استجابتهم وانقيادهم، وجوابات لقوم كاتبوه بألفاظ مرموزة، لا يعرفها إلا من كتبها، ومن كتبت إليه، ومدارج فيها ما يجري هذا المجرى، وفي بعضها صورة فيها اسم الله تعالى مكتوب على تعويج، وفي داخل ذلك التعويج، مكتوب: علي عليه السلام، كتابة لا يقف عليها إلا من تأملها.

وحضرت مجلس حامد، وقد أحضر السمري صاحب الحلاج، وسأله عن أشياء من أمر الحلاج، وقال له: حدثني بما شاهدته منه.

فقال له: إن رأى الوزير أن يعفيني، فعل.

فأعلمه أنه لا يعفيه، وعاود مسألته عما شاهده، فعاود استعفاءه. وألح عليه في السؤال.

فلما تردد القول بينهما، قال: أعلم أني إن حدثتك كذبتني، ولم آمن مكروهاً يلحقني، فوعده أن لا يلحقه مكروه.

فقال: كنت معه بفارس، فخرجنا نريد اصطخر في زمان شاتٍ، فلما صرنا في بعض الطريق، أعلمته بأني قد اشتهيت خياراً.

فقال لي: في هذا المكان؟ وفي مثل هذا الوقت من الزمان؟ فقلت: هو شيء عرض لي.

ولما كان بعد ساعات، قال لي: انت على تلك الشهوة؟ فقلت: نعم.

قال: وسرنا إلى سفح جبل ثلج، فأدخل يده فيه، وأخرج إلي منه خيارة خضراء، ودفعها إلي.

فقال له حامد: فأكلتها؟ قال: نعم.

فقال له: كذبت يا ابن مائة ألف زانية في مائة ألف زانية، أو جعوا فكه.

فأسرع الغلمان إليه، فامتثلوا ما أمرهم به، وهو يصيح: أليس من هذا خفنا؟ ثم أمر به، فأقيم من المجلس.

وأقبل حامد يتحدث عن قوم من أصحاب النيرنجيات، كانوا يعدون بإخراج التين، وما يجري مجراه من الفواكه، فإذا حصل ذلك في يد الإنسان، وأراد أن يأكله، صار بعراً.

وحضرت مجلس حامد، وقد أحضر سفط خيازر لطيف، حمل من دار محمد بن علي القنائي - أكبر ظني - فتقدم بفتحه، فإذا فيه قدر جافة خضراء، وقوارير فيها شيء يشبه لون الزئبق، وكسر خبز جافة، وكان السمري حاضراً، جالساً بالقرب من أبي، فعجب من تلك القدر وتصييرها في سفط مختوم، ومن تلك القوارير - وعندنا أنها أدهان - ومن كسر الخبز.

وسأل حامد السمري عن ذلك، فدافعه في الجواب، واستعفاه منه. وألح عليه في السؤال، فعرفه أن في ذلك القدر رجيع الحلاج، وأنه يستشفى به، وأن الذي في القوارير بوله.

فعرف حامد، ما قاله، فعجب منه من كان في المجلس، واتصل القول في الطعن على الحلاج.

وأقبل أبي يعيد ذكر تلك الكسر، ويتعجب منها، ومن احتفاظهم بها، حتى غاظ السمري ذلك، فقال له: هوذا أسمع ما تقول، وأرى تعجبك من هذه الكسر، وهي بين يديك فكل منها ما شئت، ثم انظر كيف يكون قلبك للحلاج بعد أكلك ما تأكله منها.

فتهيب أبي أن يأكلها، وتخوف أن يكون فيها سم.

وأحضر حامد الحلاج، وسأله عما كان في السفط، وعن احتفاظ أصحابه برجيعه وبوله؟ فذكر أنه شيء ما علم به، ولا عرفه.

وكان يتفق في كثير من الأيام، جلوس الحلاج في مجلس حامد، إلى جنبي، فأسمعه يقول دائماً: سبحانك، لا إله إلا أنت، عملت سوءاً، وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

وكانت عليه مدرعة سوداء من صوف.

وكنت يوماً، وأبي، بين يدي حامد، ثم نهض عن مجلسه، وخرجنا إلى دار العامة، وجلسنا في رواقها، وحضر هارون بن عمران الجهبذ، فجلس بين يدي أبي، ولم يحادثه، فهو في ذاك، إذ جاء غلام حامد الذي كان موكلاً بالحلاج، وأومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه، فنهض عن المجلس مسرعاً، ونحن لا ندري ما السبب.

فغاب عنا قليلاً، ثم عاد وهو متغير اللون جداً. فأنكر أبي ما رآه منه، وسأله عنه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account