فلما كان بعد نصف الليل، حملتني حلاوة الحياة، على طلب الخلاص فقمت، فإذا البئر إلى صدري، وإذا أنا قوي، فتسلقت، وخرجت منها إلى البيت.
ووقفت أتسمع، فلم أسمع لهم حساً، إلا غطيطاً يدل على نومهم، فخرجت قليلاً قليلاً، حتى فتحت الباب، وخرجت من الدار، وما شعروا بي، فجئت إلى بيتي قبل طلوع الشمس.
فقالوا: ما دهاك ؟ فقلت: كنت البارحة عند صديق لي، وبكرت من عنده، فلقيني لص يستقفي، فمنعته ثيابي، فأخذها، وعمل بي هذا.
فأقمت شهوراً أعالج، إلى أن عوفيت، فلما خرجت، وتصرفت، لم يكن لي هم إلا طلب المرأة في الطريق والأسواق.
فاجتزت يوماً بالكرخ، فرأيتها، فلم أكلمها، وعدت إلى منزلي، وكنت قد غيرت زيي، وطولت لحيتي، حتى تغيرت هيأتي عليها، ومشيت ويدي مكتوفة إلى ظهري، على مذهب الخراسانية، وجئت أطلبها، وصادفتها في الموضع.
فحين رأتني العجوز، أقبلت علي، وبدأتني بالكلام، فأجبتها بالفارسية، وعلمت أنها لم تعرفني.
وجئت معها، فحملتني إلى الدار بعينها، وجرت القصة على الرسم الأول، إلى أن قالت: قد جاء أخي وغلامه، قم لا يراك، فأقامتني إلى البيت بعينه، فدخلته، وأغلقت علي، ووقفت أسمع، وكان تحت ثيابي سيف لطيف ماضٍ.
فقال لها الأسود، بعد أن وطئها خمس عشرة مرة: أيش جبت اليوم ؟ قالت: بطة سمينة، خراساني معه هميان ملآن.
قال :فأين هو ؟ قالت: في وسطه.
فقال: غاية.
فأخرجت أنا السيف، ووقفت خلف الباب أنتظره، فأكل، وشرب حتى سكر، وجاء، فدخل، فخالفت طريقه، ومضى يريد صدر البيت، فصرت خلفه، وضربته في ساقه ضربة محكمة، أجلسته منها، وثنيتها بأخرى، فما قدر أن ينهض، وواليت ضربه، حتى قطعته، فلما برد، تقدمت فحززت رأسه، وفصلته عن بدنه، لتزول عني الشبهة في أمره، ووقفت موضعي.
فلما أبطأ خروجه على الجارية، قالت العجوز: قومي انظري أيش خبره ؟ فقامت العجوز المسماة صيد، تطلبه، وجاءت إلى البيت، تقول: يا سيدي، لم ليس تخرج ؟ أين أنت ؟ فما تكلمت.
فدخلت إلى البيت، فضربتها في ساقها أيضاً، فقعدت زمنةً، فحين جلست، جررت برجلها، فأخبرجتها إلى برا، وقلت: مرحباً يا صيد، إلى كم تصطادين ولا تصادين ؟ وقتلتها.
وخرجت إلى الدار، وتكلمت بلسان فصيح، وقد كنت أكلمهم بلسان الخراسانية، فأيقنت الجارية بالهلاك.
ثم قلت لها: أنا الرجل الذي فعلت بي كذا وكذا.
قالت: فأين الأسود ؟ فقلت: قتلته، وهذا رأسه.
قالت: سألتك بالله، إلا قتلتني بعده، فلا حاجة لي في الحياتة.
فقلت: ليس تحتاجين إلى مسألتي في هذا، فإني أفعله، ولكن أين الأموال ؟ وإلا عذبتك، ولم أقتلك، وأخرجتك إلى السلطان، فحصلت في العقوبات.
فقالت: افتح ذلك البيت، وذلك البيت.
ففتحت أبواباً، فخرج علي منها أمر عظيم.
فقلت: الأموال.
وما زلت أقررها، وكلما امنتعت، ضربتها بالسيف، إلى أن عرفتني مواضع الدفائن، وأوقفتني على جميع ما عندها من الذخائر، فقتلتها حينئذ.
وخرجت سحراً، وقد قلعت الدفائن، وأخذت منها ما أطقت حمله من فاخر ما وجدته، ولم أقرب الناحية إلى الآن، ولا أدري إلى أي شيء انتهى خبر القتلى والأسود والدار.
فكان ما وصل إلي من ذلك ما قيمته ألوف كثيرة.
الأنصاري وعبد الله بن عامر عامل العراق
قال القاضي أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي التنوخي: خرج رجلان من المدينة، يريدان عبد الله بن عامر بن كريز، للوفادة عليه، أحدهما من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف، وكان عبد الله عاملاً بالعراق لعثمان بن عفان رضي الله عنه.
فأقبلا يسيران، حتى إذا كانا بناحية البصرة، قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته ؟ قال: اعرضه.
قال: ننيخ رواحلنا، ونتوضأ، ونصلي ركعتين، نحمد الله عز وجل فيهما، على ما قضى في سفرنا.
قال له: نعم، هذا الرأي الذي لا يرد.
قال: ففعلا.
ثم التفت الأنصاري إلى الثقفي، فقال له: يا أخا ثقيف، ما رأيك ؟ قال: وأي موضع رأي هذا ؟ أمضيت سفري، وأنضيت بدني، وأتعبت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك من رأي غير هذا ؟ قال: نعم، إني لما صليت، فكرت، فاستحييت من ربي، أن يراني طالب رزق من عند غيره.
ثم قال: أللهم رازق ابن عامر، ارزقني من فضلك، ثم ولى راجعاً إلى المدينة.