وهززت أعطاف الملوك بمنطق ... رد المسن إلى اقتبال شبابه
ألبستني حلل القريض ووشيه ... متفضلاً فرفلت في أثوابه
وظلمت شعرك إذ حبوت رياضه ... رجلاً سواه من الورى أولى به
فأجاب عنه مقصراً عن شأوه ... إذ كان يعجز عن بلوغ ثوابه
تهجوا
حدثنا علي بن المحسن القاضي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الدوري الوراق، قال: حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري بالبصرة، قال: كان محمد بن عمران الضبي على اختيار القضاة للمعتز، فاجتمع إليه القضاة والفقهاء، الخصاف ونظراؤه من الفقهاء.
وكان الضبي قبل ذلك معلماً، فنعس، ثم رفع رأسه، فقال: تهجوا.
أبو هشام الرفاعي يقضي ببغداد
حدثنا علي بن المحسن، قال: حدثنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: استقضي أبو هشام الرفاعي - يعني ببغداد - في سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وهو رجل من أهل القرآن، والعلم، والفقه، والحديث، وله كتا ب في القراءات، قرأ علينا ابن صاعد أكثره، وحدث بحديث كثير.
المبرد والقبعض
أخبرني علي بن أبي علي البصري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الإيذجي، قال: حدثني أبو عبد الله المفجع، قال: كان المبرد لعظم حفظه اللغة، واتساعه فيها، يتهم بالكذب، فتواضعنا على مسألة لا أصل لها، نسأله عنها لننظر كيف يجيب.
وكنا قبل ذلك، قد تمارينا في عروض بيت الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
فقال بعضنا: هو من البحر الفلاني، وقال آخرون: هو من البحر الفلاني، فقطعناه، وتردد على أفواهنا من تقطيعه قبعض.
فقلت له: أنبئنا، أيدك الله، ما القبعض عند العرب ؟ فقال المبرد: القطن، يصدق ذلك قول أعرابي:
كأن سنامها حشي القبعضا
قال: فقلت لأصحابي: هو ذا ترون الجواب والشاهد، إن كان صحيحاً فهو عجيب، وإن كان اختلق الجواب، وعمل الشاهد في الحال، فهو أعجب.
القاضي أبو عمر
حدثنا علي بن المحسن، قال: حدثنا طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد قال: أبو عمر محمد بن يوسف، من تصفح أخبار الناس، لم يخف عليه موضعه، وإذا بالغنا في وصفه كنا إلى التقصير فيما نذكره من ذلك أقرب.
ومن سعادة جده، أن المثل ضرب بعقله وحلمه، وانتشر على لسان الخطير والحقير ذكر فضله، حتى إن الإنسان كان إذا بالغ في وصف رجل، قال: كأنه أبو عمر القاضي، وإذا امتلأ الإنسان غيظاً، قال: لو أني أبو عمر القاضي ما صبرت.
سوى ما انضاف إلى ذلك من الجلالة والرياسة، والصبر على المكاره، واحتمال كل جريرة إن لحقته من عدوه، وغلط إن جرى من صديقه، وتعطفه بالإحسان إلى الكبير والصغير، واصطناع المعروف عند الداني والقاصي، ومداراته للنظير والتابع، ولم يزل على طول الزمان يزداد جلالة ونبلاً.
ثم استخلف لأبيه يوسف على القضاء بالجانب الشرقي، فكان يحكم بين أهل مدينة المنصور رياسة، وبين أهل الجانب الشرقي خلافة، إلى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فإن أبا خازم توفي، وكان قاضياً على الكرخ، أعني الشرقية، فنقل أبو عمر عن مدينة المنصور إلى قضاء الشرقية، فكان على ذلك إلى سنة ست وتسعين ومائتين.
ثم صرف هو ووالده يوسف عن جميع ما كان إليهما، وتوفي والده سنة سبع وتسعين ومائتين، وما زال أبو عمر ملازماً لمنزله إلى سنة إحدى وثلثمائة، فإن أبا الحسن علي بن عيسى، تقلد الوزارة، فأشار على المقتدر به، فرضي عنه، وقلده الجانب الشرقي، والشرقية، وعدة نواح من السواد، والشام، والحرمين، واليمن، وغير ذلك.
وقلده القضاء سنة سبع عشرة وثلثمائة.
وحمل الناس عنه علماً واسعاً من الحديث، وكتب الفقه التي صنفها إسماعيل - يعني ابن إسحاق - وقطعة من التفسير، وعمل مسنداً كبيراً، قرأ أكثره على الناس.
ولم ير الناس في بغداد أحسن من مجلسه لما حدث، وذلك ان العلماء، وأصحاب الحديث، كانوا يتجملون بحضور مجلسه، حتى إنه كان يجلس للحديث، وعن يمينه أبو القاسم بن بنت منيع - وهو قريب من أبيه في السن والاسناد - وابن صاعد على يساره، وأبو بكر النيسابوري بين يديه، وسائر الحفاظ حول سريره.
وتوفي في شهر رمضان، سنة عشرين وثلثمائة، وله ثمان وسبعون سنة.
ثم أيش