فلم أر فيها مثل بغداد منزلاً ... ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرق شمائلاً ... وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا
وكم قائل لو كان ودك صادقاً ... لبغداد لم ترحل فكان جوابيا
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترين المراميا
السري الرفاء يمدح بغداد
أنشدنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: أنشدنا أبو علي الهائم، قال: أنشدنا السري بن أحمد الرفاء الموصلي لنفسه من أبيات:
إذا سقى الله منزلاً فسقى ... بغداد ما حاولت من الديم
يا حبذا صحبة العلوم بها ... والعيش بين اليسار والعدم
سويق الحمص في بغداد
حدثني القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: أخبرني أبي، قال: أنبأنا أبو الحسن محمد بن صالح الهاشمي في سنة ستين وثلثمائة، قال: أخبرني رجل يبيع سويق الحمص، منفرداً به، أسماه لي وأنسبته، أنه حصر ما يعمل في سوقه من هذا السويق كل سنة، فكان مائة وأربعين كراً، يكون حمصاً مائتين وثمانين كراً، يخرج في كل سنة، حتى لا يبقى منه شيء، ويستأنف عمل ذلك للسنة الأخرى.
قال: وسويق الحمص غير طيب، وإنما يأكله المتجملون والضعفاء، شهرين أو ثلاثة، عند عدم الفواكه، ومن لا يأكله من الناس أكثر.
قال الشيخ أبو بكر الخطيب البغدادي: ولو طلب من هذا السويق اليوم في جانبي بغداد، مكوك واحد، ما وجد.
القاضي أبو طاهر محمد بن نصر
أخبرنا علي بن المحسن القاضي، قال: أنبأنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال : استقضي المتقي لله على مدينة المنصور في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلثمائة، أبا طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، وله أبوة في القضاء، سديد المذهب، متوسط الفقه، على مذهب مالك، وكان له مجلس يجتمع إليه المخالفون، ويتناظرون بحضرته، فكان يتوسط بينهم، ويكلمهم كلاماً سديداً، ويجري معهم فيما يجرون فيه، على مذهب محمود وطريقة حسنة، ثم صرف أبو طاهر بعد أربعة أشهر من هذه السنة في شوال، ثم استقضى المستكفي أبا طاهر على الشرقية في صفر سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، فكانت ولايته أقل من خمسة أشهر.
عتاهية بن أبي العتاهية
قرات في كتاب أبي عبيد الله المرزباني، بخطه، وحدثنيه علي بن أبي علي البصري، عنه، قال: محمد بن أبي العتاهية، لقبه عتاهية، ويكنى أبا عبد الله، وأمه هاشمية بنت عمرو اليمامي مولى لمعن بن زائدة، وكان محمد ناسكاً، زاهداً، شاعراً، وهو القائل:
قد أفلح الساكن الصموت ... كلام راعي الكلام قوت
ما كل نطقٍ له جوابٌ ... جواب ما يكره السكوت
يا عجبي لامرىء ظلومٍ ... مستيقنٌ أنه يموت
اقطع العمر بظن حسن
أخبرنا علي بن المحسن القاضي، قال: حدثني أبي، أبو علي المحسن بن علي، قال " نبأنا أبو بكر الصولي، قال: نبأنا عون بن محمد الكندي، قال: قال لي محمد بن أبي أمية الكاتب: كنت أنا وأخي، نكتب للعباس بن الفضل بن الربيع، فجاءه أبو العتاهية مسلماً، فأمر بالمقام عنده.
فقال: على شريطة أن ينشدني كاتبك هذا من شعره، وأومأ إلي.
فقال: ذلك لك، وتغدينا، فقال: الشرط.
فأمرني أن أنشده، فحصرت، وقلت: ما أجسر على ذلك، ولا ذاك قدري.
فقال: إن أنشدني وإلا قمت، فجد بي فأنشدته:
رب وعدٍ منك لا أنساه لي ... أوجب الشكر وإن لم تفعل
أقطع العمر بظن حسن ... وأجلي غمرةً ما تنجلي
وأرى الأيام لا تدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي
كلما أملت يوماً صالحاً ... عرض المكروه لي في أملي
قال: فبكى أبو العتاهية، أشد بكاء، ثم قال: إن لم تزدني قمت.
فقال لي: زده، فانشدته:
بنفسي من يناجيه ... ضميري بأمانيه
ومن يعرض عن ذكري ... كأني لست أعنيه
لقد أسرفت في الذل ... كما أسرفت في التيه
أما تعرف لي إحسا ... ن يوم فتجازيه ؟
قال: فزاد والله بكاؤه.
يا هاشمي ويا مولى ويا عربي