ذكرت عشية الصدفين ليلى ... وكل الدهر ذكراها جديد
علي أليه إن كنت أدري ... أينقص حب ليلى أم يزيد
فلما رأى نوفل منه ذلك، أدخله بيتاً، وقيده، وقال: أعالجه، فأكل لحم ذراعيه، وكفيه، فحله، وأخرجه، فكان يأوي مع الوحوش.
وكانت له داية ربته صغيراً، وكان لا يألف غيرها، ولا يقرب منه أحد سواها، فكانت تخرج في طلبه في البادية، وتحمل له الخبز والماء، فربما أكل بعضه، وربما لم يأكل.
ولم يزل على ذلك حتى مات.
كالسهم أصبح ريشه ممروطا
أنبأنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، قال: حدثنا أبو عمر بن حيويه، قال: أنبأنا محمد بن خلف، قال: حدثني عبد الله بن عمرو، قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا داود ابن محمد، عن عمرو بن رزام، قال: وفد فتى من نهد، يقال له صباح بن عامر، على الملوح، أبي قيس المجنون، فسلم عليه، وخبره بنسبه، وقال له: إني قد وفدت من بلدي، لأنظر إلى قيس، وأسمع من شعره، فما أفعل ؟ فبكى الشيخ، حتى غشي عليه، ثم سكن، وقال: أني لك بقيس ؟ إن قيساً عشق ابنة عم له، وإنه جن على رأسها، فهو لا يأنس بأحد، يرد مع الوحوش، يوم ورودها، ويصدر معها إذا صدرت.
ولكن هاهنا شاب، يذهب إليه في كل وقت، وهو يأنس به، ويأخذ منه ما يقول، وقد حفظ له قصيدة يقال لها: المؤنسة، فإذا أنشده إياها أنس به وحدثه، فإن شئت، فصر إليه.
قال صباح: فصرت إلى الفتى، فرحب بي، وسألني عن حالي، فأخبرته.
فقال لي: أتروي لقيس بن ذريح شيئاً ؟ فإن المجنون مستهتر بشعره.
قلت :أنا أحفظ الناس لشعر قيس.
قال: فصر إلى موضع كذا وكذا، فاطلبه في تلك الفيافي، فإنك تجده، واعلم إنه إذ رآك، سوف يفر منك، ويهوي إليك بحجر، فلا يهولنك، واقعد كأنك لا تريده، فإذا رأيته قد سكن، فاذكر له ليلى، فإنه سيرجع إلى عقله، ويراجع صحته، ويحدثك عن حاله، ثم أنشده من شعر قيس شيئاً، فإنه مشغوف به.
قال صباح: ففعلت الذي أوصاني به الفتى، ولم أزل أطلبه، حتى انتصف النهار، فإذا أنا برجل عريان، قد سقط شعر رأسه على حاجبيه، وإذا هو قد حظر حظيرة من تراب، وهو قاعد في وسطها، وإلى جانبه أحجار، وهو يخطط بإصبعه في الأ رض.
فلما رآني أهوى إلى حجر، ووثب ليقوم، فقعدت ناحية أرمي ببصري إلى غيره، ولا أحفل به، ثم انه رجع إلى عبثه وتخطيطه.
قلت له: أتعرف ليلى ؟ قال: بأبي والله هي، فكيف لا أعرفها ؟ قلت: لله قيس بن ذريح حيث يقول:
وإني لمفن دمع عيني بالبكا ... حذاراً لما قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيبٍ لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفيك إلا أن ماحم حائن
فقال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:
نعب الغراب بين ليلى إنه ... كان الكتاب بينهم مخطوطا
اصبحت من أهلي الذين أحبهم ... كالسهم أصبح ريشه ممروطا
ثم وثب مسرعاً إلى ظباء سنحت له، فغاب عني، فتبعته، فجعلت أقفو أثره، إلى آخر النهار، فما وقعت عيني عليه.
ثم غدوت في اليوم الثاني، فجعلت أطوف عليه في تلك الفيافي. حتى إذا جنني الليل، انصرفت.
فلما كان في اليوم الثالث طلبته، فإذا هو عريان، بين أحجار ميت.
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
أخبرنا ابن أبي منصور، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أنبأنا علي بن المحسن، قال: أنبأنا ابن حيويه، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: حدثني سليمان بن أيوب المديني، قال: سمعت مصعباً الزبيري، يقول: كان مجنون بني عامر، يسيح مع الوحوش، وينثر الشعر نثراً، وكان الركبان يتلقون منه الشعر فيروونه.
قال ابن خلف: قال التخومي: لما قال المجنون :
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
سلب عقله.
قال ابن خلف: وأنشد مصعب بن الزبير للمجنون:
ألا أيها القلب الذي لج هائماً ... وليداً بليلى لم تقطع تمائمه
أفق فقد أفاق العاشقون وقد أنى ... لدائك أن يلقى طبيباً يلائمه
وما لك مسلوب العزاء كأنما ... ترى نأي ليلى مغرماً أنت غارمه