فلما كثر ذلك، خرج أبو ليلى، ومعه نفر من قومه إلى مروان بن الحكم، فشكوا إليه ما ينالهم من قيس بن الملوح، وسألوه الكتابة إلى عامله عليهم، يمنعه من كلام ليلى.
فكتب لهم مروان، كتاباً إلى عامله، يأمره أن يحضر قيساً، ويتقدم إليه في ترك زيارة ليلى، فإن أصابه أهلها عندهم، فقد أهدروا دمه.
فلما ورد الكتاب على عامله، بعث إلى قيس وأبيه، فجمعهم، وقرأ عليهم كتاب مروان، وقال لقيس: اتق الله في نفسك، لا يذهب دمك هدراً، فانصرف قيس، وهو يقول:
ألا حجبت ليلى وآلى أميرها ... علي يميناً جاهداً لا أزورها
وأوعدني فيها رجال أبوهم ... أبي وأبوها خشنت لي صدورها
على غير شيء غير أني أحبها ... وأن فؤادي عند ليلى أسيرها
فلما أيس منها، وعلم أن لا سبيل إليها، صار شبيهاً بالتائه العقل، وأحب الخلوة وحديث النفس، وتزايد الأمر به، حتى ذهب عقله، ولعب بالحصا والتراب، ولم يكن يعرف شيئاً إلا ذكرها، وقول الشعر فيها.
وبلغها ما صار إليه قيس، فجزعت أيضاً لفراقه، وضنيت ضنى شديداً.
رددت قلائص القرشي
أنبأنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا ابن حيويه، قال: أنبأنا محمد بن خلف، قال: حدثني إسحاق بن محمد، قال: حدثني أبو معاذ النميري: أن مروان بن الحكم، استعمل رجلاً من قيس، على صدقات كعب ابن ربيعة بن عامر، وهم قيس والحريش وجعدة.
فسمع بخبر قيس بن معاذ، وهو مجنون بني عامر، فأمر أن يؤتى به، فأتي به، فساءله عن حاله، واستنشده، فأنشده، فأعجب به، وقال له: الزمني، فلك أن أحتال لك في أمر ليلى، حتى أجمع بينك وبينها، فلازمه، وكان يأتيه، فيتحدث إليه.
وكان لبني عامر مجتمع، يجتمعون فيه، في كل سنة، وكان الوالي يخرج معهم إلى ذلك المجتمع، لئلا يكون بينهم اختلاف، فحضر الوقت، فقال قيس للوالي: أتأذن لي في الخروج معك إلى هذا المجتمع ؟ فأذن له.
فلما عزم على الخروج، جاءه قوم من رهط قيس، فقالوا له: إنما سألك الخروج معك ليرى ليلى ويكلمها، وقد استعدى عليه بعض أهلها، وأهدر لهم السلطان دمه، إن أتاهم.
فلما قالوا: له ذلك، منعه من الخروج معه، وأمر له بقلائص من إبل الصدقة، فردها، وأبى أن يقبلها، وأنشأ يقول:
رددت قلائص القرشي لما ... بدا لي النقض منه للعهود
سعوا للجمع ذاك وخلفوني ... إلى حزنٍ أعالجه شديد
فلما علم قيس بن معاذ، أنه قد منع، وأن لا سبيل إليها، ذهب عقله، وصار لا يلبس ثوباً إلا خرقه، وهام على وجهه عرياناً، لا يعقل شيئاً مما يكلم به، ولا يصلي.
فلما رأى أبوه ما صنع بنفسه، خاف عليه التلف، فحبسه، وقيده، فجعل يأكل لحمه، ويضرب بنفسه الأرض.
فلما رأى أبوه ذلك، حل قيده، وخلاه، فكان يدور في فيافيهم عرياناً، ويلعب بالتراب.
وكانت له داية، لم يكن يأنس بأحد غيرها، وكانت تأتيه في كل يوم، برغيف وماء، فتضعه بين يديه، فربما أكله، وربما تركه، ولم يأكله.
أنتم شغلي، وعندكم عقلي
أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، وأخبرتنا شهدة، قالت: أنبأنا ابن السراج، قالا: أنبأنا علي بن المحسن، قال: أنبأنا ابن حيويه، قال، حدثنا محمد بن خلف، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني ابن عائشة، عن أبيه قال: ولي نوفل بن مساحق، صدقات كعب بن ربيعة، فنزل بجمع من تلك المجامع، فرأى قيس بن معاذ المجنون، وهو يلعب بالتراب، فدنا منه، فكلمه، فجعل يجيبه بخلاف ما يسأل عنه.
فقال له رجل من أهله: إن أردت أن يكلمك كلاماً صحيحاً، فاذكر له ليلى.
فقال له نوفل: أتحب ليلى ؟ قال: نعم.
قال: فحدثني حديثك معها.
قال: فجعل ينشده شعره فيها، فأنشأ يقول:
وشغلت عن فهم الحديث سوى ... ما كان فيك فأنتم شغلي
وأديم لحظ محدثي ليرى ... أن قد فهمت وعندكم عقلي
وأنشد:
سرت في سواد القلب حتى انتهى ... بها السير وارتادت حمى القلب حلت
فللعين تسكاب إذا القلب ملها ... وللقلب وسواس إذا العين ملت
والله ما في القلب شيء من الهوى ... لأخرى سواها أكثرت أم أقلت
وأنشد: