FluentPlex

Table-Talk

الوزير أبو علي بن مقلة

Original text Public domain

Read with the dictionary

فقال لي: اخرج، واجلس، على ما واقفتك عليه، فخرجت ومعي ابن رشيد، وجلسنا ووقعنا في جمهور ما رفع، إلا عشر رقاع مما يحتاج إلى وقوفه عليها، وتوقيعه بخطه فيها، وكان منها رقعة كبيرة ضخمة، ترجمتها: المتظلمون من أهل روذمستان، وهرمزجرد، وهما ناحيتان من السيب الأسفل وجنبلاء، وكانت إذ ذاك في إقطاع السيدة، وقدرت أنها ظلامة من وكيلها، في تغيير رسم، أو نقص طسق، فجعلتها فيما أفردته.

وعدت إلى أبي الحسن، فعرفته ما جرى، فأخذ الرقاع، ولم يزل يوقع فيها، إلى أن انتهى إلى هذه الرقعة، فقرأها، ووجهه يربد ويصفر، وينتقل من لون إلى لون، فضاق صدري، وندمت على ترك قراءتها، وقلت: لعل فيها أمراً يتهمني فيه، وأخذت ألو نفسي على تفريطي فيما فرطت فيه.

وفرغ منها، فكتمني ما وقف عليه فيها، وقال: هاتوا أهل روذمستان وهرمزجرد.

فصاح الحجاب دفعات، فلم يجب أحد، وقام وهو مهموم منكسر، ولم يذاكرنا بأمر أكل ولا شرب، ودخل بعض الحجر، وتأخر أكله، وزاد شغل قلبي.

وقلت لخليفة لساكن - صاحب الدواة - وكان أمياً: أريد رقعة لابن بسام الشاعر، عليها خرج لأقف عليه، ولم أزل أخدعه، حتى مكنني من تفتيش ما هو مع الدواة، ولو كان ساكن حاضراً لما تم لي ذلك.

وأخذت الرقعة، فإذا هي رقعة بعض أعداء ابن الفرات، وقد قطعه فيها بالثلب، والطعن، وتعديد المساوئ، والقبائح، وهدده بالسعاية.

وقال فيما قاله: قد قسمت الملك بين نفسك وأولادك، وأهلك وأقاربك، وكتابك وحواشيك، واطرحت جميع الناس، وأقللت الفكر في عواقب هذه الأفعال، وما ترضى لمن تنقم عليه، بالإبعاد وتشتيت الشمل، حتى تودعهم الحبوس، وتفعل وتصنع، وختمها بأبياتٍ هي:

لو كان ما أنتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائماً أبدا

لكن رأيت الليالي غير تاركة ... ما ساء من حادث أو سر مطردا

وقد سكنت إلى أني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا

قال: وبطل صبوح أبي الحسن، ودعانا وقت الظهر، فأكلنا معه على الرسم، ولم أزل أبسطه، وأقول له أقوالاً تسكنه، إلى أن شرب بعد انتباهه من نومه، غبوقاً.

ومضى على هذا اليوم أربعة أشهر، وقبض عليه، واستترت عند الحسين بن عبد الأعلى.

فلما خلع على أبي علي محمد بن عبيد الله بن خاقان، جلسنا نتحدث، ونتذاكر أمر ابن الفرات.

فقال لي ابن عبد الأعلى: كنت جالساً في سوق السلاح، أنتظر جواز الخاقاني بالخلع، لأقوم إليه وأهنئه، فاتفق معي رجل شاب، حسن الهيأة، جميل البزة، وحدثني انه صاحب لأبي الحسين بن أحمد بن أبي البغل، وأنه أنفذه من أصبهان، قاصداً، حتى دس إلى ابن الفرات، رقعة على لسان بعض المتظلمين، فيها كل طعن، وثلب، ودعاء، وسب، وتوعد، وتهدد، وفي آخرها شعر.

فقلت له: على رسلك، هذه الرقعة على يدي جرت، ووصلت إلى ابن الفرات.

وخرج الحديث متقابلاً.

الوزير أبو علي بن مقلة

يشيد بمآثر الوزير ابن الفرات وحدث القاضي أبو علي، قال: حدثني أبو الحسين بن هشام، قال: قال: سمعت أبي يقول لأبي علي بن مقلة، في أول وزارته الأولى، وقد جلس مجلساً تقصى فيه الأعمال، وبان منه فضل كفاية واستقلال: العمل في يد الوزير أيده الله، ذليل.

فقال: على هذه الحال نشأنا، يا أبا القاسم، وأخذناها عمن كانت الدنيا والمملكة، يطرحان الأثقال عليه، فينهض بها، يعني أبا الحسن بن الفرات.

ثم قال أبو علي: لقد رأيته جالساً في الديوان للمظالم، والوزير إذ ذاك، القاسم بن عبيد الله، فتظلم إليه رجل من رسم ثقله عليه الطائي، وغير به رسماً له قديماً خفيفاً، ويسأل رده إلى ما كان عليه أولاً.

فرد يقول: قد سمتني أن أبطل رسماً، قرره أبو جعفر الطائي - رحمه الله - مع محله من العدل، والثقة، والبصيرة بأسباب العمارة، وقد درت عليه الأموال، وصلحت الأحوال، وأحده الجمهور، واستقامت عليه الأمور، وهذا سوم إعنات، وكتب بحمله على ما رسمه أبو جعفر.

ثم رأيت، مرة ثانية، متظلماً آخر، من رسم ثقيل خففه الطائي، لعلمه بأن الضيعة لا تحتمل غيره، وقد اعترض عليه فيه، ويسأل إجراءه على رسم الطائي.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account