فلما تجاوزت عني أربع ساعات، سمعت صوت غلمان مجتازين في الممر الذي في حجرتي، فقال الخدم الموكلون بي: هذا بدر الحرمي، وهو صنيعتك.
فاستغثت به وصحت: يا أبا الخير، لي عليك حقوق، وأنا في حال أتمنى معها الموت، فتخاطب السادة، وتذكرهم حرمتي، وخدمتي في تثبيت دولتهم، لما قعد الناس عن نصرتهم، وافتتاحي البلدان المأخوذة، واستيفائي الأموال المنكسرة، وان لم يكن إلا مؤاخذتي بذنب ينقم علي، فالسيف فانه أروح.
فرجع، ودخل إليهم، وخاطبهم، ورققهم، فأمروا بحل الحديد كله عني، وتغيير لباسي، وأخذ شعري، وإدخالي الحمام، وتسليمي إلى زيدان، وراسلوني: بأنك لا ترى بعد ذلك بأساً، وأقمت عند زيدان، مكرماً، إلى أن رددت إلى هذا المجلس.
قال أبو الحسين: ثم ضرب الدهر ضربه، فدخلت إليه مع أبي، في الوزارة الثالثة، وقد غلب المحسن علي رأيه وأمره.
فقال له أبي: قد أسرف أبو أحمد، في مكاره الناس، حتى انه يضرب من لو قال له: اكتب خطك بما يريده منه، لكتب من غير ضرب، ثم يواقف المصادر على الأداء في وقت بعينه، فان تأخر إيراد الروز به، أعاد ضربه، وفي هذا الفعل شناعة، مع خلوه من فائدة.
فقال له أبو الحسن: يا أبا القاسم، لو لم يفعل أبو أحمد، ما يفعله، بأعدائنا، ومن أساء معاملتنا، لما كان من أولاد الأحرار، ولكان نسل هوان، أنت تعلم أنني قد أحسنت إلى الناس دفعتين، فما شكروني، وسعوا على دمي، ووالله لأسلكن بهم ضد تلك الطريقة.
فلما خرجنا من حضرته، قال لي أبي: سمعت أعجب من هذا القول؟ إذا كنا لم نسلم مع الإحسان، نسلم مع الإساءة؟ فما مضى إلا أيام يسيرة، حتى قبض عليه، وجرى ما جرى في أمره.
قال القاضي أبو علي التنوخي: قلت لأبي الحسين بن هشام: قد عرفنا خبر المزين مع كسرى، وهو أنه جلس ليصلح وجهه، فقال له: أيها الملك زوجني بنتك، فأمر أن يقام، فأقيم.
وقيل له: ما قلت؟ فقال: لم أقل شيئاً، ففعل به ذلك ثلاث دفعات.
فقال الملك: لهذا المزين خطب، وأحضر أهل الرأي، فأخبرهم بحاله.
فقال جميعهم: ما أنطق هذا المزين، إلا باعث بعثه من مال وراء ظهره، فأنفذ إلى منزله، فلم يوجد له شيء.
فقال الملك: احفروا مكان مقعده عند خدمته لي، فحفر، فوجد تحته كنز عظيم.
فقال الملك: هذا الكنز كان يخاطبني.
ثم قلت لأبي الحسين: فهل تعرف خبر الحجام، مع الحجاج؟ فقال: نعم، بلغنا أن الحجاج، احتجم ذات يوم، فلما ركب الحجام المحاجم على رقبته، قال: أحب أيها الأمير، أن تخبرني بخبرك مع ابن الأشعث، وكيف عصى عليك.
فقال له: لهذا الحديث وقت آخر، وإذا فرغت من شأنك حدثتك، فأعاد مسألته، وكررها، والحجاج يدفعه، ويعده، ويحلف له على الوفاء له.
فلما فرغ، ونزل المحاجم عنه، وغسل الدم، أحضر الحجام، وقال له: إنا وعدناك بأن نحدثك حديث ابن الأشعث، وحلفنا لك، ونحن محدثوك، يا غلام، السياط، فأتي بها.
فأمر الحجاج بالحجام، فجرد، وعلته السياط، وأقبل الحجاج يقص عليه قصة ابن الأشعث، بأطول حديث، فلما فرغ استوفى الحجام خمسمائة سوط، فكاد يتلف.
ثم رفع الضرب، وقال له: قد وفينا لك بالوعد، وأي وقت أحببت أن تسأل خبرنا مع غير ابن الأشعث، على هذا الشرط، أجبناك.
الوزير ابن الفرات
يتناول رقعة فيها سبه وشتمه وتهديده حدث القاضي أبو علي التنوخي، قال: حدثني أبو الحسين بن هشام، قال حدثني أبو علي بن مقلة، قبل وزارته، قال: عزم أبو الحسن بن الفرات، في وزارته الأولى، يوماً على الصبوح من غد، وكان يوم الأحد من رسمه أن يجلس للمظالم فيه.
ثم قال: كيف نتشاغل نحن بالسرور، ونصرف عن بابنا قوماً كثيرين، قد قصدوا من نواح بعيدة، وأقطار شاسعة، مستصرخين متظلمين؟ فهذا من أمير، وهذا من عامل، وهذا من قاض، وهذا من متعزز، ويمضون مغمومين، داعين علينا، والله، ما أطيب نفساً بذلك.
ولكن أرى أن تجلس أنت يا أبا علي ساعة، ومعك أحمد ابن عبيد الله بن رشيد، صاحب ديوان المظالم، وتستدعيا القصص، وتوقعا منها فيما يجوز توقيعكما فيه، وتفردا ما لا بد من وقوفي عليه، و تحضرانه لأوقع فيه، وينصرف أرباب الظلامات مسرورين، وأتهنأ يومي بذلك.
فقلت: السمع والطاعة، وبكرت من غد.