أخالد قد والله أوطئت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقر بما لم يقترفه لأنه ... رأى القطع خيراً من فضيحة عاشق
ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في أمر لهم غير ناطق
إذا مدت الغايات في السبق للعلى ... فأنت ابن عبد الله أول سابق
وأرسل خالد، مولى له، يسأل عن الخبر، ويتجسس عن جلية الأمر، فأتاه بتصحيح ما قال عمرو في شعره.
فأحضر الجارية، وأمر بتزويجها من الفتى، فامتنع أبوها، وقال: ليس هو بكفؤ لها.
قال: بلى، والله، إنه لكفؤ لها، إذ بذل يده عنها، ولئن لم تزوجها، لأزوجنه إياها وأنت كاره.
فزوجه، وساق خالد المهر عنه من ماله.
فكان يسمى العاشق، إلى أن مات.
إلى غزال من بني النصارى
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، رحمه الله، سنة 433، قال: حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري، قال: أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني، لنفسه في عمرو النصراني: قال القاضي أبو الفرج: وقد رأيت عمراً، وبقي حتى ابيض رأسه.
من عاشق ناء هواه دان ... ناطق دمع صامت اللسان
موثق قلب مطلق الجثمان ... معذب بالصد والهجران
من غير ذنب كسبت يداه ... غير هوى نمت به عيناه
شوقاً إلى رؤية من أشقاه ... كأنما عافاه من أضناه
يا ويحه من عاشق ما يلقى ... من أدمع منهلة ما ترقى
ناطقة وما أحارث نطقا ... تخبر عن حب له استرقا
لم يبق منه غير طرف يبكي ... بأدمع مثل نظام السلك
تطفيه نيران الهوى وتذكي ... كأنها قطر السماء تحكي
إلى غزال من بني النصارى ... عذار خديه سبى العذارى
وغادر الأسد به حيارى ... في ربقة الحب له أسارى
ريم بدار الروم رام قتلي ... بمقلة كحلاء لا عن كحل
وطرة بها استطار عقلي ... وحسن وجه وقبيح فعل
ريم به أي هزبر لم يصد ... يقتل باللحظ ولا يخشى القود
متى يقل: ها، قالت الألحاظ: قد ... كأنه ناسوته حين اتحد
ما أبصر الناس جميعاً بدراً ... ولا رأوا شمساً وغصناً نضرا
أحسن من عمرو فديت عمرا ... ظبي بعينيه سقاني الخمرا
ها أنا ذا بقده مقدود ... والدمع في خدي له أخدود
ما ضر من فقدي به موجود ... لو لم يقبح فعله الصدود
إن كان ديني عنده الإسلام ... فقد سعت في نقضه الآثام
واختلت الصلاة والصيام ... وجاز في الدين له الحرام
يا ليتني كنت له صليبا ... أكون منه أبداً قريبا
أبصر حسناً وأشم طيبا ... لا واشياً أخشى ولا رقيبا
يا ليتني كنت له قربانا ... ألثم منه الثغر والبنانا
أو جاثليقاً كنت أو مطرانا ... كيما يرى الطاعة لي إيمانا
يا ليتني كنت لعمرو مصحفاً ... يقرأ مني كل يوم أحرفا
أوقلماً يكتب بي ما ألفا ... من أدب مستحسن قد صنفا
يا ليتني كنت لعمرو عوذه ... أو حلة يلبسها مقذوذه
أو بركة باسمه مأخوذه ... أو بيعة في داره منبوذه
يا ليتني كنت له زنارا ... يديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا ... صرت له حينئذ إزارا
قد والذي يبقيه لي أفناني ... وابتز عقلي والضنى كساني
ظبي على البعاد والتداني ... حل محل الروح من جثماني
واكبدي من خده المضرج ... واكبدي من ثغره المفلج