بت أبكيكما وإن عجيباً ... أن يبيت الأسير يبكي الطليقا
فاذكراني وكيف لا تذكراني ... كل ما استخون الصديق الصديقا
عضد الدولة ينفق عشرة ملايين
درهم على بناء دار وإنشاء بستان
أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن، قال: سمعت أبي يقول.
ماشيت الملك عضد الدولة في دار المملكة بالمخرم، التي كانت دار سبكتكين حاجب معز الدولة من قبل، وهو يتأمل ما عمل، وهدم منها، وقد كان أراد أن يزيد في الميدان السبكتكيني أذرعاً ليجعله بستاناً، ويرد بدل التراب رملاً، ويطرح التراب تحت الروشن على دجلة، وقد ابتاع دوراً كثيرة، كباراً وصغاراً، ونقضها، ورمى حيطانها بالفيلة، تخفيفاً للمؤونة، وأضاف عرصاتها إلى الميدان، وكانت مثل الميدان دفعتين، وبنى على الجميع مسناة.
فقال لي في هذا اليوم، وقد شاهد ما شاهد: تدري أيها القاضي، كم أنفق على ما قلع من التراب إلى هذه الغاية، وبناء هذه المسناة، مع ثمن ما ابتيع من الدور واستضيف؟ قلت: أظنه شيئاً كثيراً.
فقال لي: هو إلى وقتنا هذا، تسعمائة ألف درهم صحاحاً، ويحتاج إلى مثلها دفعة أو دفعتين، حتى يتكامل قلع التراب، ويحصل موضعه الرمل موازياً لوجه البستان.
فلما فرغ من ذلك، وصار البستان أرضاً بيضاء لا شيء فيها من غرس ولا نبات، قال: قد أنفق على هذا، حتى صار كذا، أكثر من ألفي ألف درهم.
ثم فكر في أن يجعل شرب البستان، من دواليب ينصبها على دجلة، فأعلم أن الدواليب لا تكفي، فأخرج المهندسين إلى الأنهار التي في ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام، ليستخرجوا منها نهراً يسيح ماؤه إلى داره، فلم يجدوا ما أرادوه إلا في نهر الخالص، فعلى الأرض بين البلد وبينه تعلية أمكن معها أن يجري الماء على قدر، من غير أن يحدث به ضرر، وعمل تلين عظيمين، يساويان سطح ماء الخالص، ويرتفعان عن أرض الصحراء أذرعاً، وشق في وسطهما نهراً جعل له خورين من جانبيه، وداس الجميع بالفيلة، دوساً كثيراً، حتى قوي، واشتد، وصلب، وتلبد، فلما بلغ إلى منازل البلد، وأراد سوق النهر إلى داره، عمد إلى دور السلسلة، فدك أرضها دكاً قوياً، ورفع أبواب الدور، ووثقها، وبنى جوانب النهر، على طول البلد، بالآجر، والكلس والنورة، حتى وصل الماء إلى الدار، وسقى البستان.
قال أبي: وبلغت النفقة على عمل البستان وسوق الماء إليه، على ما سمعته من حواشي عضد الدولة، خمسة آلاف درهم.
ولعله قد أنفق على أبنية الدار - على ما أظن - مثل ذلك.
وكان عضد الدولة، عازماً على أن يهدم الدور التي بين داره، وبين الزاهر، ويصل الدار بالزاهر، فمات قبل ذلك.
المؤلف يخطب في عقد قران الخليفة
الطائع على ابنة عضد الدولة
في يوم الثلاثاء لتسع بقين من ذي القعدة سنة 369 ه. تزوج الطائع لله، بنت عضد الدولة الكبرى، وعقد العقد بحضرة الطائع، وبمشهد من الأشراف والقضاة والشهود، ووجوه الدولة، على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وفي رواية مائتي ألف دينار، والوكيل عن عضد الدولة في العقد، أبو علي الحسن بن أحمد الفارسي النحوي، والخطيب القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي.
رأى القطع خيراً من فضيحة عاشق
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البسطامي، قال: حدثنا ابن دريد، قال: حدثنا أحمد بن عيسى العكلي، عن ابن أبي خالد، عن الهيثم بن عدي، قال: كان لعمرو بن دويرة السحمي، أخ قد كلف بابنة عم له، كلفاً شديداً، وكان أبوها يكره ذلك، ويأباه، فشكا إلى خالد بن عبد الله القسري، وهو أمير العراق، أنه يسيء جواره، فحبسه، فسئل خالد في أمر الفتى، فأطلقه.
فلبث الفتى مدة، كافاً عن ابنة عمه، ثم زاد ما في قلبه، وغلب عليه الحب، فحمل نفسه على أن تسور الجدار إليها، وحصل الفتى معها.
فأحس به أبوها، فقبض عليه، وأتى به خالد بن عبد الله القسري، وادعى عليه السرق، وأتاه بجماعة يشهدون أنهم وجدوه في منزله ليلاً، وقد دخل دخول السراق.
فسأل خالد الفتى، فاعترف بأنه دخل يسرق، ليدفع بذلك الفضيحة عن ابنة عمه، مع أنه لم يسرق شيئاً.
فأراد خالد أن يقطعه، فرفع عمرو أخوه إلى خالد رقعة فيها: