قال أبو الوليد: سله عن حديثه، فإنه يخبرك بشأنه.
فأحضرت الغلام، وسألته عن السبب الذي استحق به هذه المنزلة منه؟ فقال: هذا خلصني - بعد الله عز وجل - من أمر عظيم.
فاستبشعت هذا القول منه، وأنكرته عليه، فقال لي: اسمع حديثه فإنك تعذرني.
كان يصحبني رجل من أهل البصرة، يقال له محمد بن بكر، لا يفارقني، يواكلني، ويعاشرني على النبيذ وغيره منذ سنين.
فخرجنا إلى الدينور، فلما رجعنا وقربنا من منزلنا، كان في وسطي هميان فيه جملة دنانير، ومعي متاع كثير أخذته من الغنيمة، قد وقف عليه بأسره.
فنزلنا إلى موضع، فأكلنا، وشربنا.
فلما عمل الشراب، عمد إلي، فشد يدي إلى رجلي، وأوثقني كتافاً، ورمى بي في واد، وأخذ كل ما معي، وتركني ومضى، وأيست من الحياة.
وقعد هذا الكلب معي، ثم تركني ومضى، فما كان بأسرع من أن وافاني، ومعه رغيف، فطرحه بين يدي، فأكلته، ولم أزل أحبو إلى موضع فيه ماء، فشربت منه، ولم يزل الكلب معي، باقي ليلي يعوي إلى أن أصبحت، فحملتني عيناي، وفقدت الكلب.
فما كان بأسرع من أن وافاني ومعه رغيف، فأكلت، وفعلت فعلي في اليوم الأول.
فلما كان اليوم الثالث غاب عني، فقلت مضى يجيئني بالرغيف، فلم ألبث إلا أن جاء ومعه الرغيف، فرمى به إلي، فلم استتم أكله، إلا وابني على رأسي يبكي.
فقال: ما تصنع هاهنا، وما هي قصتك؟ ونزل فحل كتافي، وأخرجني.
فقلت له: من أين علمت بمكاني، ومن دلك علي؟ فقال: كان الكلب يأتينا في كل يوم، فنطرح له الرغيف على رسمه، فلا يأكله. وقد كان معك، فأنكرنا رجوعه، ولست أنت معه، فكان يحمل الرغيف بفيه، ولا يذوقه ويخرج يعدو، فأنكرنا أمره، فاتبعته حتى وقفت عليك.
فهذا ما كان من خبري وخبر الكلب، فهو عندي أعظم مقداراً من الأهل والقرابة.
قال: ورأيت أثر الكتاف في يده، قد أثر أثراً قبيحاً.
الأمير جعفر بن ورقاء يعاتب القاضيين
أبا عمر وأبا الحسين أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي قال: حدثنا التنوخي، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله النصيبي، قال: إن جعفر بن ورقاء حدثهم، قال: عدت من الحج أنا وأخي، فتأخر عن تهنئتي القاضي أبو عمر وابنه أبو الحسين، فكتبت إليهما:
أأستجفي أبا عمر وأشكو ... وأستجفي فتاه أبا الحسين
بأي قضية وبأي حكم ... ألحا في قطيعة واصلين
فما جاءا ولا بعثا بعذر ... ولا كانا لحقي موجبين
فإن نمسك ولا نعتب تمادى ... جفاؤهما لأخلص مخلصين
وإن تعتب فحق غير أنا ... نجل عن العتاب القاضيين
فوصلت الأبيات إلى أبي عمر، وهو على شغل، فأنفذها إلى أبي الحسين، وأمره بالجواب عنها، فكتب إلي:
تجن واظلم منتقلاً ... عن خالص الود أيها الظالم
ظننت بي جفوة عتبت لها ... فخلت أني لحبلكم صارم
حكمت بالظن والشكوك ولا ... يحكم بالظن في الهوى حاكم
تركت حق الوداع مطرحاً ... وجئت تبغي زيارة القادم
أمران لم يذهبا على فطن ... وأنت بالحكم فيهما عالم
وكل هذا مقال ذي ثقة ... وقلبه من جفائه سالم
الخليفة الراضي يبكي حزناً
على قاضي القضاة أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال أخبرنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: توفي قاضي القضاة، يعني أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف، في يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، وصلى عليه ابنه أبو نصر، ودفن إلى جانب أبي عمر في دار إلى جانب داره.
وقال أبو بكر الصولي: كان هذا القاضي قد بلغ من العلم مبلغاً عظيماً، وقرأ علي من كتب اللغة والأخبار، ما يقارب عشرة آلاف ورقة، وتوفي ابن سبع وثلاثين سنة.
ووجد عليه الراضي وجداً شديداً، حتى كان يبكي بحضرتنا، وقال: كنت أضيق بالشيء ذرعاً، فيوسعه علي.
وكان يقول: لا بقيت بعده.
أبو بكر الأنباري يملي من حفظه
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال: أنبأنا علي بن أبي علي البصري عن أبيه، قال: