فأشفقت، وتبسمت، وصاحت: يا جواري، فجاء مقدار عشر جواري ووصائف.
وقالت: هاتوا شيئاً نأكل.
فقدمت ألوان طريفة، وطعام من أطعمة الخلفاء، فأكلنا، وغسلنا أيدينا.
ومضى الوصائف، ثم قمنا إلى الفراش، فدخلت بها، وبت بليلة من ليالي الخلفاء، ولم نفترق أسبوعاً.
وكانت يوم الأسبوع، وليمة هائلة، اجتمع فيها الجواري.
فلما كان من غد، قالت: إن دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا، فلولا أنه استؤذن، فأذن بعد جهد، لما تم لنا هذا، لأنه شيء لم يفعل قبل هذا مع جارية غيري، لمحبة سيدتي لي.
وجميع ما تراه، فهو هبة من السيدة لي، وقد أعطتني خمسين ألف دينار، من عين وورق، وجوهر ودنانير، وذخائر لي خارج القصر كثيرة من كل لون، وجميعها لك.
فاخرج إلى منزلك، وخذ معك مالاً، واشتر داراً سرية، واسعة الصحن، فيها بستان كثير الشجر، فاخر الموقع، وتحول إليها، وعرفني، لأنقل هذا كله إليك، فإذا حصل عندك، جئتك.
وسلمت إلي عشرة آلاف دينار عيناً، فحملها الخادم معي.
فابتعت الدار، وكتبت إليها بالخبر، فحملت إلي تلك النعمة بأسرها، فجميع ما أنا فيه منها.
فأقامت عندي كذا وكذا سنة، أعيش معها عيش الخلفاء، ولم أدع مع ذلك التجارة.
فزاد مالي، وعظمت منزلتي، وأثرت حالي، وولدت لي هؤلاء الفتيان، وأومأ إلى أولاده، ثم ماتت رحمها الله.
وبقي علي من مضرة الديكبريكه حاضراً، ما شاهدته.
الشيخ بويه والرؤيا التي هالته
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز، قال: أنبأنا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه قال: حدثنا علي بن حسان الأنباري الكاتب، قال: لما أنفذني معز الدولة، من بغداد إلى ديلمان، لأبني له دوراً في بلدة منها، قال لي: سل عن رجل من الديلم، يقال له أبو الحسين بن شيركوه، فأكرمه، واعرف حقه، واقرئه سلامي، وقل له: سمعت وأنا صبي، بحديث منام كان أبي رآه، وفسره هو وأنت، على مفسر بديلمان، ولم أقم عليه للصبا، فحدثني به، واحفظه لتعيده علي.
فلما جئت إلى ديلمان، جاءني الرجل مسلماً، فعلمت بأنه كان بينه وبين بويه، والد الأمير، صداقة، فأكرمته، وعظمته، وأبلغته رسالة معز الدولة.
فقال لي: كانت بيني وبين بويه مودة وكيدة، وهذه داره وداري، متحاذيتان، كما ترى، وأومأ إليهما.
فقال لي ذات يوم: إني قد رأيت رؤيا هالتني فاطلب لي إنساناً يفسرها لي.
فقلت: نحن هاهنا في مفازة، فمن أين لنا من يفسر؟ ولكن اصبر حتى يجتاز بنا منجم أو عالم، فنسأله، ومضى على هذا الأمر شهور.
فخرجت أنا وهو في بعض الأيام إلى شاطئ البحر، نصطاد سمكاً، فجلسنا، فاصطدنا شيئاً كثيراً، فحملناه على ظهورنا، أنا وهو، وجئنا.
فقال لي: ليس في داري من يعمله، فخذ الجميع إليك ليعمل عندك.
فأخذته، وقلت له: فتعال إلي، لنجتمع عليه، ففعل.
فقعدنا أنا وعيالي ننظفه، ونطبخ بعضه، ونشوي الباقي.
وإذا رجل مجتاز، يصيح، منجم، مفسر للرؤيا.
فقال لي: يا أبا الحسين، تذكر ما قلته لك، بسبب المنام الذي رأيته؟ فقلت: بلى، فقمت، وجئت بالرجل.
فقال له بويه: رأيت ليلة في منامي، كأني جالس أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة كالعمود، ثم تشعبت يمنة ويسرة، وأماماً وخلفاً، حتى ملأت الدنيا، وانتبهت، فما تفسير هذا؟ فقال له الرجل: لا أفسره لك بأقل من ألف درهم.
قال: فسخرنا منه، وقلنا له: ويحك، نحن فقراء، نخرج نصيد سمكاً لنأكله، والله ما رأينا هذا المبلغ قط، ولا عشره، ولكنا نعطيك سمكة من أكبر هذا السمك.
فرضي بذلك، وقال له: يكون لك أولاد يفترقون في الدنيا، فيملكونها ويعظم سلطانهم فيها، على قدر ما احتوت النار التي رأيتها في المنام عليه من الدنيا.
قال: فصفعنا الرجل، وقلنا: سخرت منا، وأخذت السمكة حراماً.
وقال له بويه: ويلك، أنا صياد فقير، كما ترى، وأولادي هم هؤلاء، وأومأ إلى علي بن بويه، وكان أول ما اختط عارضه، والحسن، وهو دونه، وأحمد، وهو فوق الطفل قليلاً.
ومضت السنون، وأنسيت المنام، حتى خرج بويه إلى خراسان، وخرج علي بن بويه، فبلغنا حديثه، وأنه قد ملك أرجان، ثم ملك فارس كلها.
فما شعرنا إلا بصلاته، قد جاءت إلى أهله، وشيوخ بلد الديلم، وجاءني رسوله يطلبني، فخرجت، ومشيت إليه، فهالني ملكه، وأنسيت المنام، وعاملني من الجميل والصلات بأمر عظيم.