فصاحت: يا أستاذ أهلكت علينا متاعاً بخمسة آلاف دينار في الصندوق، وثياباً مصبغات، وماء ورد قد انقلب على الثياب، والساعة تختلط ألوانها، وهو هلاكي مع السيدة.
فقال لها: خذي صندوقك إلى لعنة الله، أنت وهو، ومري.
فصاحت بالخدم: احملوه، وأدخلت الدار، فرجعت إلي روحي.
فبينا نحن نمشي إذ قالت: ويلاه، الخليفة، والله.
فجاءني أعظم من الأول، وسمعت كلام خدم وجواري، وهو يقول من بينهم: ويلك يا فلانة أيش في صندوقك؟ أريني هو؟ فقالت: ثياب لستي يا مولاي، والساعة أفتحه بين يديها، وتراه.
وقالت للخدم: أسرعوا ويلكم، فأسرعوا.
وأدخلتني إلى حجرة، وفتحت عني، وقالت: اصعد تلك الدرجة، إلى الغرف، واجلس فيها، وفتحت بالعجلة، صندوقاً آخر، فنقلت بعض ما كان فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه، وقفلت الجميع.
وجاء المقتدر وقال لها: افتحي، ففتحته، فلم يرض منه شيئاً، وخرج.
فصعدت إلي، وجعلت ترشفني، وتقبلني، فعشت، ونسيت ما جرى.
وتركتني، وقفلت باب الحجرة يومها، ثم جاءتني ليلاً، فأطعمتني، وسقتني، وانصرفت.
فلما كان من غد، جاءتني فقالت: السيدة، الساعة تجيء، فانظر كيف تخاطبها.
ثم عادت بعد ساعة مع السيدة، فقالت: انزل، فنزلت.
فإذا بالسيدة جالسة على كرسي، وليس معها إلا وصيفتان، وصاحبتي.
فقبلت الأرض، وقمت بين يديها، فقالت: اجلس.
فقلت: أنا عبد السيدة وخادمها، وليس من محلي أن أجلس بحضرتها.
فتأملتني، وقالت: ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب، ونهضت.
فجاءتني صاحبتي بعد ساعة، وقالت: أبشر، فقد أذنت لي والله في تزويجك، وما بقي الآن عقبة إلا الخروج.
فقلت: يسلم الله.
فلما كان من الغد، حملتني في الصندوق، فخرجت كما دخلت، بعد مخاطرة أخرى، وفزع نالني.
ونزلت في المسجد، ورجعت إلى منزلي، فتصدقت، وحمدت الله على السلامة.
فلما كان بعد أيام، جاءني الخادم، ومعه كيس فيه ثلاثة آلاف دينار عيناً.
وقال: أمرتني ستي بإنفاذ هذا إليك من مالها، وقالت: تشتري به ثياباً، ومركوباً، وخدماً، وتصلح به ظاهرك، وتعال يوم الموكب إلى باب العامة، وقف، حتى تطلب، فقد واقفت الخليفة على أن تزوجك بحضرته.
فأجبت على رقعة كانت معه، وأخذت المال، واشتريت ما قالوا بيسير منه، وبقي الأكثر عندي.
وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزي حسن، وجاء الناس، فدخلوا إلى الخليفة.
ووقفت إلى أن استدعيت، فدخلت، فإذا أنا بالمقتدر جالس، والقواد، والقضاة، والهاشميون، فهبت المجلس، وعلمت كيف أسلم، وأقف، ففعلت.
فتقدم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين، فخطب لي، وزوجني، وخرجت من حضرته.
فلما صرت في بعض الدهاليز، قريباً من الباب، عدل بي إلى دار عظيمة مفروشة، بأنواع الفرش الفاخرة، وفيها من الآلات، والخدم، والأمتعة، والقماش، كل شيء لم أر مثله قط.
فأجلست فيها، وتركت وحدي، وانصرف من أدخلني.
فجلست يومي، لا أرى من أعرفه، ولم أبرح من موضعي إلى الصلاة، وخدم يدخلون ويخرجون، وطعام عظيم ينقل، وهم يقولون: الليلة تزف فلانة - اسم صاحبتي - إلى زوجها البزاز، فلا أصدق، فرحاً.
فلما جاء الليل، أثر في الجوع، وأقفلت الأبواب، ويئست من الجارية، فقمت أطوف الدار، فوقفت على المطبخ، ووجدت الطباخين جلوساً فاستطعمتهم، فلم يعرفوني، وقدروني بعض الوكلاء، فقدموا إلي هذا اللون من الطبيخ، مع رغيفين، فأكلتهما، وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ، وقدرت أنها كانت قد نقيت، وعدت إلى مكاني.
فلما جن الليل، إذا طبول، وزمور، وأصوات عظيمة، وإذا بالأبواب قد فتحت، وصاحبتي قد أهديت إلي، وجاءوا بها، فجلوها علي، وأنا أقدر أن ذلك في النوم، فرحاً.
وتركت معي في المجلس، وتفرق الناس.
فلما خلونا، تقدمت إليها فقبلتها، وقبلتني، فشمت لحيتي، فرفستني، فرمت بي عن المنصة، وقالت: أنكرت أن تفلح، يا عامي يا سفلة، وقامت لتخرج.
فقمت، وتعلقت بها، وقبلت الأرض، ورجليها، وقلت: عرفيني ذنبي، واعملي بعده ما شئت.
فقالت: ويحك، أكلت فلم تغسل يدك.
فقصصت عليها قصتي، فلما بلغت إلى آخرها، قلت: علي وعلي، وحلفت بطلاقها، وطلاق كل امرأة أتزوجها، وصدقة مالي، وجميع ما أملكه، والحج ماشياً على قدمي، والكفر بالله، وكل ما يحلف به المسلمون، لا أكلت بعدها ديكبريكه، إلا غسلت يدي أربعين مرة.