ومضت منهم سرية مع الحسن بن أبي منصور بن أبي سعيد في شوال سنة ستين وثلثمائة، فدخلوا دمشق في ذي القعدة من هذه السنة، فقتلوا خلقاً، ثم خرجوا إلى مكة فقتلوا، واستباحوا.
وأقاموا الدعوة للمطيع لله، في كل فتح فتحوه، وسودوا أعلامهم، ورجعوا عما كانوا عليه من المخرقة ضرورة.
وقالوا: لو فطنا لما فطن له ابن بويه الديلمي لاستقامت أمورنا، وذلك أنه ترك المذاهب جانباً، وطلب الغلبة والملك، فأطاعه الناس.
وكان من مخاريقهم، قبة ينفرد فيها أميرهم، وطائفة معه، فلم يقاتلوا، فإذا كل المقاتلون، حمل هو بنفسه، وتلك الطائفة، على قوم قد كلوا من القتال.
وكانوا يقولون: إن النصر ينزل من هذه القبة، وقد جعلوا فيها مدخنة وفحماً، فإذا أرادوا أن يحملوا، صعد أحدهم إلى القبة، وقدح، وجعل النار في المجمرة، وأخرج حب الكحل فطرحه على النار، فتفرقع فرقعة شديدة، ولا يكون له دخان، وحملوا، ولا يثبت لهم شيء، ولا يوقد ذلك، إلا أن يقول صاحب العسكر، قد نزل النصر.
فكسر تلك القبة، أصحاب جوهر الذي ملك مصر.
ابن العلاف الشاعر يجيز بيتاً نظمه المعتضد
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال: أخبرنا علي بن أبي علي المعدل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي بكر الشاعر، قال: حدثني أبي، قال: كنت ذات ليلة في دار المعتضد وقد أطلنا الجلوس بحضرته، ثم نهضنا إلى مجلسنا، في حجرة كانت مرسومة بالندماء.
فلما أخذنا مضاجعنا، وهدأت العيون، أحسسنا بفتح الأبواب، والأقفال بسرعة، فارتاعت الجماعة لذلك، وجلسنا في فرشنا.
فدخل إلينا خادم من خدم المعتضد، فقال: إن أمير المؤمنين يقول لكم: أرقت الليلة بعد انصرافكم فعملت:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد
وقد أرتج علي تمامه، فأجيزوه، ومن أجازه بما يوافق غرضي، أجزلت جائزته.
وفي الجماعة كل شاعر مجيد، مذكور، وأديب فاضل مشهور، فأفحمت الجماعة، وأطالوا الفكر.
فقلت مبتدراً:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالاً طارقاً سيعود
فرجع الخادم إليه بالجواب، ثم عاد إلي، فقال: أمير المؤمنين، يقول لك، أحسنت، وما قصرت، وقد وقع بيتك الموقع الذي أريده، وقد أمر لك بجائزة، وها هي.
فأخذتها، وازداد غيظ الجماعة مني.
القاضي أبو عمر وعنايته في إصدار الأحكام
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن أبي علي المعدل، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عبيد الدقاق، قال: قال لي أبو إسحاق بن جابر الفقيه: لما ولي أبو عمر طمعنا في أن نتبعه بالخطإ، لما كنا نعلم من قلة فقهه، فكنا نستفتى، فنقول: امضوا إلى القاضي، ونراعي ما يحكم به، فيدافع عن الأحكام، مدافعة، أحسن من فصل الحكم، ثم تجيئنا الفتاوى في تلك القصص، فنخاف أن نحرج، إن لم نفت، فتعود الفتاوى إليه، فيحكم بما يفتي به الفقهاء.
فما عثرنا عليه بخطإ.
جزاء الخيانة
وأنبئت عن المؤيد قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن هبة الله الخازن، قال: حدثنا الحسين بن علي الكوفي، قال: حدثنا المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي، قال: حدثنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي.
وأنبئت، عن المؤيد، وعبد الوهاب الأمين، وغيرهما، عن محمد بن عبد الباقي، عن علي بن المحسن، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرني أحمد بن يوسف الأزرق التنوخي، مناولة، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن الفتح الكاتب، المعروف بالمطوق، مناولة، من كتابه " كتاب مناقب الوزراء، ومحاسن أخبارهم " وفيه ذكر كثير من الحوادث، فقال فيه: وفي رجب سنة خمس عشرة وثلثمائة، أن رجلاً أمسى، في بعض محال الجانب الغربي من مدينة السلام، ومعه دراهم لها قدر، فخاف على نفسه من الطائف، ومن بلية تقع عليه، فصار إلى رجل من أهل الموضع، أراد أن يبيت عنده، فأدخله.
فلما تيقن أن معه مالاً، حدثته نفسه بقتله، وأخذ ماله.
وكان له ابن شاب، فنومه مع الرجل في بيت واحد، ولم يعلم أحداً بما نفسه، وخرج، وقد عرف مكانهما، وطفى المصباح.
فقدر الأمر، أن الابن انتقل من موضعه إلى موضع آخر، وانتقل الضيف إلى موضع الابن، وجاء أبوه، ليطلب الضيف، فصادف ابنه، وهو لا يشك، أنه الضيف، فخنقه.