فلما توفي الحسن، وجه المعتمد بعبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى علي بن محمد، فعزاه بأخيه، وهنأه بالقضاء، فامتنع من قبول ذلك.
فلم يبرح الوزير عبيد الله من عنده حتى قبل، وتقلد قضاء القضاة، ومكث يدعى بذلك، إلى أن توفي.
وهو رجل صالح، ضيق الستر، عظيم الخطر، ثقة، أمين، على طريق الشيوخ المتقدمين، حمل الناس عنه حديثاً كثيراً.
ابن أبي زيد يثني على علي بن عيسى الربعي
سمعت التنوخي يقول: كان أبو علي، يقول: سمعت ابن أبي زيد - وكان ابن أخت أبي علي الفارسي النحوي - يقول: قولوا لعلي البغدادي: لو سرت من الشرق إلى الغرب، لم تجد أنحى منك.
أبو خازم القاضي وشدته في الحكم
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: أخبرني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، قال: قال لي ابن حبيب الذراع: كنا ونحن أحداث مع أبي خازم، وكنا نقعده قاضياً، ونتقدم إليه في الخصومات.
قال: فما مضت الأيام والليالي، حتى صار قاضياً.
قال أبو الحسين: وبلغ من شدته في الحكم، أن المعتضد، وجه إليه بطريف المخلدي، فقال له: إن لي على الضبعي - بيع كان للمعتضد ولغيره - مالاً، وقد بلغني أن غرماءه، أثبتوا عندك، وقد قسطت لهم في ماله، فاجعلنا كأحدهم.
فقال له أبو خازم: قل له: أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - ذاكر لما قال لي وقت ما قلدني، أنه قد أخرج الأمر من عنقه، وجعله في عنقي، ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة.
فرجع إليه طريف، فأخبره.
فقال: قل له فلان وفلان يشهدان، يعني رجلين جليلين كانا في ذلك الوقت.
فقال: يشهدان عندي، واسأل عنهما، فإن زكيا، قبلت شهادتهما، وإلا أمضيت ما ثبت عندي.
فامتنع أولئك من الشهادة، فزعاً.
ولم يدفع إلى المعتضد شيئاً.
أبو خازم القاضي أدب شخصاً
فمات فوداه من بيت المال
أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا التنوخي قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو الفرج طاهر بن محمد الصلحي، قال: حدثني القاضي أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، قال: بلغني أن أبا خازم القاضي جلس في الشرقية، وهو قاضيها، للحكم، فارتفع إليه خصمان، فاجترأ أحدهما بحضرته إلى ما يوجب التأديب، فأدب، فمات في الحال.
فكتب إلى المعتضد من المجلس: أعلم أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، أن خصمين، حضراني، فاجترأ أحدهما إلى ما وجب عليه معه الأدب عندي، فأمرت بتأديبه، فمات.
فإذ كان المراد بتأديبه، مصلحة المسلمين، فمات في الأدب، فديته واجبة في بيت مال المسلمين.
فإن رأى أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، أن يأمر بحمل الدية، لأحملها إلى ورثته، فعل.
فعاد الجواب إليه: بأنا قد أمرنا بحمل الدية إليك، وحمل إليه عشرة آلاف درهم.
فأحضر ورثة المتوفى، ودفعها إليهم.
القاضي أبو الحسن بن أبي الشوارب
يتقلب بين التولية والعزل
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال أخبرنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: استخلف المستكفي بالله في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، واستقضى على مدينة المنصور والشرقية أبا الحسن محمد بن الحسن بن أبي الشوارب.
وذكر طلحة: أنه كان رجلاً واسع الأخلاق، كريماً، جواداً، طلابة للحديث، قال: ثم قبض عليه في صفر سنة أربع وثلاثين.
فلما كان في رجب في هذه السنة، قبض على المستكفي بالله واستخلف المطيع، فقلد أبا الحسن الشرقية والحرمين واليمن ومصر وسر من رأى وقطعة من أعمال السواد وبعض أعمال الشام وسقي الفرات وواسط.
ثم صرف عن جميع ذلك في رجب سنة خمس وثلاثين.
قاض متهم بالاسترشاء
أخبرنا القزاز قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أنبأنا إبراهيم بن مخلد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن علي بن أبي علي، قال: عزل محمد بن الحسن بن أبي الشوارب عن جميع ما كان يتقلده من أمر القضاء، وأمر المستكفي بالقبض عليه، ففعل ذلك يوم الثلاثاء لخمس خلون من صفر سنة أربع وثلاثين، وكان قبيح الذكر فيما يتولاه من الأعمال، منسوباً إلى الاسترشاء في الأحكام، والعمل فيها بما لا يجوز، وقد شاع ذلك عنه، وكثر الحديث به.