قال التنوخي: وأنشدني أبو الفتح لنفسه، وكتب بها إلى أبي الفرج محمد بن العباس بن فسانجس في وزارته، وقد عمل على الانحدار إلى الأهواز:
قل للوزير سليل المجد والكرم ... ومن له قامت الدنيا على قدم
أبو معشر وعلم التنجيم
وحدث أبو علي التنوخي في نشواره، قال: حدثني أبو الحسن بن أبي بكر الأزرق قال: حدثني أبي، قال: كان بكركر من نواحي القفص، ضيعة نفيسة، لعلي بن يحيى بن المنجم، وقصر جليل فيه خزانة كتب عظيمة، يسميها: خزانة الحكمة، يقصدها الناس من كل بلد، فيقيمون فيها، ويتعلمون منها صنوف العلم، والكتب مبذولة في ذلك لهم، والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى.
فقدم أبو معشر المنجم من خراسان، يريد الحج، وهو إذ ذاك لا يحسن كبير شيء من النجوم، فوصفت له الخزانة، فحضر ورآها، فهاله أمرها، فأقام بها، وأضرب عن الحج، وتعلم فيها علم النجوم، وأغرق فيه حتى ألحد.
وكان ذلك آخر عهده بالحج، وبالدين، والإسلام أيضاً.
من إخوانيات الجاحظ
قال أبو علي التنوخي، حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأخباري، قال: حدثني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني الحسن بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني عبد الله بن جعفر الوكيل، قال: كنت يوماً عند إبراهيم بن المدبر، فرأيت بين يديه رقعة يردد النظر إليها.
فقلت له: ما شأن هذه الرقعة، كأنه استعجم عليك شيء منها؟ فقال: هذه رقعة أبي عثمان الجاحظ، وكلامه يعجبني، وأنا أردده على نفسي، لشدة إعجابي.
فقلت: هل يجوز أن أقرأها؟ قال: نعم، وألقاها إلي، فإذا فيها: ما ضاء لي نهار، ولا دجا ليل، مذ فارقتك، إلا وجدت الشوق إليك قد حز في كبدي، والأسف عليك قد أسقط في يدي، والنزاع نحوك قد خان جلدي، فأنا بين حشىً خافقة، ودمعة مهراقة، ونفس قد ذبلت بما تجاهد، وجوانح قد بليت بما تكابد، وذكرت وأنا على فراش الارتماض، ممنوع من لذة الإغماض، قول الشاعر:
إذا هتف القمري نازعني الهوى ... بشوق فلم أملك دموعي من الوجد
أبى الله إلا أن يفرق بيننا ... وكنا كماء المزن شيب مع الشهد
لقد كان ما بيني زماناً وبينها ... كما كان بين المسك والعنبر الورد
فانتظم وصف ما كنا نتعاشر عليه، ونجري في مودتنا إليه، في شعره هذا، وذكرت أيضاً، ما رماني به الدهر، من فرقة أعزائي من أخواني الذين أنت أعزهم، ويمتحنني بمن نأى من أحبائي وخلصائي الذين أنت أحبهم وأخلصهم، ويجرعنيه من مرارة نأيهم، وبعد لقائهم، وسألت الله أن يقرن آيات سروري بالقرب منك، ولين عيشي بسرعة أوبتك، وقلت أبياتاً تقصر عن صفة وجدي، وكنه ما يتضمنه قلبي، وهي:
بخدي من قطر الدموع ندوب ... وبالقلب مني مذ نأيت وجيب
ولي نفس تحت الدجى يصدع الحشا ... ورجع حنين للفؤاد مذيب
ولي شاهد من ضر نفسي وسقمه ... يخبر عني أنني لكئيب
كأني لم أفجع بفرقة صاحب ... ولا غاب عن عيني سواك حبيب
فقلت لابن المدبر: هذه رقعة عاشق، لا رقعة خادم، ورقعة غائب، لا رقعة حاضر.
فضحك، وقال: نحن ننبسط مع أبي عثمان إلى ما هو أرق من هذا وألطف، فأما الغيبة، فإننا نجتمع في كل ثلاثة أيام، وتأخر ذلك لشغل عرض لي، فخاطبني مخاطبة الغائب، وأقام انقطاع العادة، مقام الغيبة.
الوزير علي بن عيسى يقر بأنه
صنيعة الوزير ابن الفرات
حدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسن، أحمد بن يوسف الأزرق، قال: لما حمل علي بن عيسى إلى ابن الفرات في وزارته الثالثة، رآه ابن الفرات، وهو مقبل إليه، فبدأ يكتب كتاباً.
وجاء علي بن عيسى، وهو كالميت، خوفاً وجزعاً، فوقف قائماً، وابن الفرات يكتب، وعند علي بن عيسى، والحاضرين، أنه لم يره.
وبقي واقفاً، نحو ساعة، إلى أن فرغ ابن الفرات من كتابته، ثم رفع رأسه، وقال: اقعد، بارك الله عليك.
فأكب علي بن عيسى عليه، يقبل يده، وهو يقول: أنا عبد الوزير، وخادمه، وصنيعته القديم، وصنيعة أبي العباس أخيه، رحمه الله تعالى، ومن لا يعرف صاحباً، ولا أستاذاً غيره.