فقال له وزراؤه: لا تفعل، فإن الخوارج تضعف بتكرير الجيوش عليها، والملك لا يجب أن يغرر بنفسه، بل يطاول الخارجي، فإنه لا مادة له يقاوم بها جيشاً بعد جيش، إذا توالت عليه جيوش الملك.
فلم يقبل، وخرج بنفسه، فواقعه، فقتله الخارجي، وملك داره ومملكته، فأحسن السيرة، وسلك سبيل الملوك.
فلما طال أمره، وعز ذكره، وقوي سلطانه، جمع حكماء الهند، من سائر أعماله، وأطراف بلدانه، وكتب إلى عماله أن يجتاز أهل كل بلد، مائة منهم، من عقلائهم وحكمائهم، فينفذونهم إليه، ففعلوا.
فلما حصلوا ببابه، أمرهم باختيار عشرة منهم، فاختاروا، فأوصل العشرة، وأوصل من أهل دار المملكة عشرة، وقال لهم: يجب على العاقل، أن ينظر عيوب نفسه فيزيلها، فهل ترون في عيباً، أو في سلطاني نقصاً؟ فقالوا: لا، إلا شيئاً واحداً، إن أمنتنا قلناه.
قال: أنتم آمنون.
قالوا: نرى كل شيء لك جديداً، يعرضون إنه لا عرق له في الملك.
فقال: فما حال ملككم الذي كان قبلي؟ قالوا: كان ابن ملك.
قال: فأبوه؟ قالوا: ابن ملك.
قال: فأبوه؟ إلى أن عدد عشرة أو أكثر، وهم يقولون، ابن ملك، فانتهى إلى الأخير.
فقالوا: كان متغلباً.
قال: فأنا ذلك الملك الأخير، وإن طالت أيامي، مع إحساني السيرة، بقي هذا الملك بعدي، في ولدي وولد ولدي، فصار لأولاد أولادهم من العرق في الملك، مثل ما كان لملككم الذي كان من قبلي.
فسجدوا له، وكذا عادتهم إذا استحسنوا شيئاً، ولزمتهم حجة، وانصرفوا، فإزداد بذلك الملك توطداً له.
قلت أنا للقاضي: هذا شيء قد سبقت العرب إليه في كلمتين، استغني بهما عن هذا المثل الطويل العجمي.
فقال: ما هما؟ فقلت: روت العرب أن رجلين تفاخرا، فقال أحدهما لصاحبه: نسبي مني ابتدأ، ونسبك إليك انتهى.
الصيمري وزير معز الدولة
يرفق بأحد المصادرين: حدثني أبو القاسم أبو القاسم سعيد بن عبد الرحمن الكاتب الأصبهاني، قال: حضرت الصيمري، في وزارته لمعز الدولة، وقد أحضر رجلاً مصادراً، وقد قرر أمره على مال.
فقال له: أعطني كفيلاً، وأخرج فصحح المال.
فقال: لا كفيل لي أوثق من إحسانك إلي أيها الأستاذ.
فرق له، وخفف مصادرته، وأحسن إليه.
مهاترة بين بصري وسيرافي
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن بكر، قال: حدثني أبو بكر سعيد بن هارون الطبيب، وكان أبوه سيرافياً وجيهاً في بلده وغيرهما، موسراً، قال: خاصم أبي رجل من أهل البصرة، فقال له الرجل: تكلمني وأنت قطعة سيرافي؟ فقال له سعيد: أنا نجار في بلدي، وأنت عار في بلدك.
الوزير أبو محمد المهلبي
وحد الإقبال والإدبار: حدثني أبو الحسن بن يوسف، قال: حدثني قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله بن أحمد، قال: تجارينا بحضرة أبي محمد المهلبي، ذكر الأقبال والإدبار، فقال: ليس الإقبال أكثر من الحركة والتواضع، ولا الإدبار أكثر من الكسل والتكبر.
من شعر أبي الفرج الببغاء
أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد النصيبيني المخزومي الكاتب، المعروف بالببغاء لنفسه قصيدة منها:
جاورت بالحب قلباً لم تذر فكري ... للحب مستمتعاً فيه ولم تدع
يصبو ولكن يكف الحلم صبوته ... وأشرف الحب أدناه من الورع
وبي أمس غرام لو أنست إلى ال ... شكوى ولكن أعد الصبر للجزع
ما بال أهل زماني من تجاهلهم ... بموضعي بين مغبون ومختدع
من لم تزد قومه أفعاله شرفاً ... بالفضل فهو لمعنى غير مخترع
عفت الموارد لما لم أجد ظمأ ... في كثرة الماء ما يغني عن الجرع.
لأبي الفرج الببغاء
في الأمير سيف الدولة: وأنشدني لنفسه في سيف الدولة رحمه الله أولها:
أفادت بك الأيام فرط تجارب ... كأنك في فرق الزمان مشيب
وكل بعد قرب الحين نحوه ... سلاهبك الجرد الجياد قريب
تباشر أقطار البلاد كأنها ... رياح لها في الخافقين هبوب
وتملأ ما بين عثيراً ... مثاراً بوجه الشمس منه شحوب
وما يدرك العليا إلا مهذب ... يصاب على مقداره ويصيب