FluentPlex

Table-Talk

أبو خليفة يصطفي شعر عمران بن حطان

Original text Public domain

Read with the dictionary

سمعت الوزير أبا محمد المهلبي، يتحدث يوماً في مجلس أنس حضرته، قال: كنت قد خرجت من الأهواز، مع أبي جعفر الصيمري، نريد السوس، وهو إذ ذاك عاملها لمعز الدولة، وكانت والدة أبي الغنائم - إذ ذاك - بالسوس، وأنا في عنفوان استهتاري بها، وقد اشتد شوقي إليها، يعني تجني جاريته.

فلما صرنا في الرمل الذي في الطريق، هاجت ريح عظيمة، فسفت علينا تلك الرمال، فذكرت بيتي الفرزدق، وهما:

وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها سلباً من جذبها بالعصائب

سروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب

فعملت:

وريح تغيم الجو مما تثيره ... وتستلب الركبان ريط العصائب

نصبت لها نفسي وأنصبت صاحبي ... إلى أن نزلنا في ديار الحبائب

قال: وأنشدني لنفسه:

أتحسب العين أنها طرحت ... على فؤادي ثقلاً من الشغف

ما أبله العين في توهمها ... بأنها عريت من التلف

بين القاضي الإيذجي والمفجع الشاعر

أخبرني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الإيذجي، وكان يخلف أبي على القضاء بإيذج، وعلى رامهرمز، ثم لم يزل على الحكم، ونادم أبا محمد المهلبي في وزارته، فغلب عليه، وعلا محله عنده، وتخالع، وتهتك، بما لا يجوز للقضاة، وكان يدعى بالقضاء، ويخاطبه أبو محمد، في الوزارة، في كتبه، بسيدي القاضي، وكان له محل مكين في الأدب، قال: وردت البصرة، وأنا حديث السن، لأكتب العلم، وأتأدب، فلزمني أبو عبد الله المفجع، وكنت أقتصر عليه، فكتب إلي يوماً، وقد قرص الهواء:

يا أيهذا الفتى وأنت فتى الده ... ر إذا عز أن يقال فتى

طوبى لمن كان في الشتاء له ... كأس وكيس وكسرة وكسا

وكتب في الرقعة: قد بقيت كاف أخرى، لولا أني أحب تقليل المؤونة، عليك، لذكرتها، يعني الكس.

فبعثت إليه، بجميع ما التمسه.

أبو خليفة يصطفي شعر عمران بن حطان

وحدثني أبو علي الإيذجي، قال: كان أبو خليفة، صديقاً لأبي وعمي، منذ أيام وفد إلى كور الأهواز، في فتنة الزنج.

فلما قدمت البصرة، قدمتها مع أبي، فأنزلنا أبو خليفة داره، وأكرمنا، ومكنني من كتبه، فكنت أقرأ عليه، كلما أريد، وأسمع كيف شئت وأحب، وأكتب وانسخ لنفسي أصوله.

فإذا كان الليل، جلسنا، وتحادثنا، فربما رمت القراءة عليه، فيجيبني، فإذا أضجرته بكثرة القراءة عليه، يقول: يا بني، روحني، فأقطع القراءة.

وإذا استراح، أخرج من كمه دفتراً، من ورق أصفر، من الورق العتيق، فيقول: اقرأ علي من هذا، فإنه خطي، وما تقرأه علي، فهو غير خطي.

فكنت أقرأ عليه منه، وكان فيه ديوان عمران بن حطان، وكان يبكي، على مواضع منه.

فأنشدته ليلة، القصيدة التي منها:

يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوماً فأحسبه ... أحظى البرية عند الله ميزانا

فبكى عليهما، لما انتهيت إليهما، حتى كاد أن يغمى عليه، فاستطرفت ذلك، وعجبت منه.

فلما كان من الغد، اجتمعت مع المفجع، فحدثته بذلك، واغتررت به، للأدب، واستكتمته إياه، فأشاعه، وعمل:

أبو خليفة مطوي على دخن ... للهاشميين في سر وإعلان

ما زلت أعرف ما يخفي وأنكره ... حتى اصطفى شعر عمران بن حطان

وأنشدنيها لنفسه، وأنشدها غيري، فكتبها عنه بعض أهل الأدب، في رقعة لطيفة، وجعلها في مقلمته.

وحضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام، فنفض الرجل مقلمته ليرى ما فيها، فسقطت الرقعة، وانصرف، فوجدها أبو خليفة، وقرأها، فاشتد ذلك عليه، وقال: إن الإيذجي، قبحه الله، وترحه، شاط بدمي، علي بأبي العباس الساعة - يعني والدي - فجاءه، فحدثه الحديث، فوقعت في ورطة، وكادت الحال أن تنفرج، بيني وبين أبي، ومنعني أبو خليفة القراءة، واحتشمني، فحملت إليه ثياباً لها قدر، وأهديت إليه من مآكل الهند، واعتذرت إليه، فرجع، وقبل عذري، وعاود تدريسي، ومكنني من القراءة عليه، فقرأت كتاب الطبقات، وغيره، مما كان عنده.

وقال: فلا أظهر الرضى عنك، أو تكذب نفسك. ففعلت ذلك، وأعطيت المفجع ثوباً دبيقياً، حتى كف عن إنشاد الأبيات، وجحدها، واعتذر إلى أبي خليفة.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account