لو سكت عن مطالبتك بالمال، ما سكت الأمير معز الدولة، فيجب أن تؤديه محموداً، خيراً من أن تؤديه مذموماً، فاعمل على أني صديق أشرت بأدائه، ومدافعته عنك، بهذا القدر، ما كنت أغلو عليه به، فإن من أرضى أصدقاءه في أيام النعم، أرضوه في أيام المحن، واعلم أنه ليس بين مخاطبتي هذه لك، وبين أن أخاطبك بضدها، مما يخاطب به العمال المطالبون، الملطون، والمعاملة بما يقتضي ذلك، إلا أن يرد جواب كتابي فارغاً من ذكر حمل المال، وأعوذ بالله، فاختر لنفسك، أو فدع، والسلام.
أبو محمد المهلبي الوزير يتحدث عن الكرم
سمعت أبا محمد المهلبي، يقول يوماً، في شيء جرى بحضرته، من ذكر الكرم والكرام، بين جماعة من الناس: كرم الكريم يستر عليه، ما تكشفه النوائب من سوءاته.
إعظام من لا دين له ولا دنيا عنده، حمق
حدثني أبو محمد بن داسة، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن إسحاق الآمدي، ويعرف بابن أبي صفوان، شيخ كان يخلف القاضي أبا القاسم التنوخي، على القضاء بواسط وأعمالها، وعلى أعمال كور الأهواز، في أوقات متفرقة، قال: أخبرني من حضر مجلس أبي عمر القاضي، وقد دخل إليه ابن غسان، صهره.
فقال له: من أين أقبلت؟ فقال: من عند فلان.
فقال أبو عمر: إعظام من لا دين له، ولا دنيا عنده، حمق
البخل خير من مسألة البخيل
حدثنا أبو القاسم عمر بن حسان بن الحسين، الشاهد، البغدادي - وقد تولى القضاء بديار مضر من قبل قاضي القضاة، وهو مشهور المحل - قال: كنت عند سلامة، أخي نجح الطولوني، وأنا شاب، وفي مجلسه جماعة يذمون البخل، وكان سلامة ينسب إلى البخل، وما كان بخيلاً، وإنما كان محصلاً لحاله، مصلحاً لماله.
فلما انصرفوا، قال: يا أبا القاسم، لا تسمع هذا الكلام، ولا تعول عليه، فتهلك، واعلم أن البخل خير من مسألة البخيل.
سلامة الحاجب يلوم قوماً طعنوا في العدول
قال: وكنت عنده في آخر كونه ببغداد، وقبيل دخول الديلم إليها، وبحضرته قوم يطعنون على الشهود، ويعيبونهم.
فقال لهم سلامة: ما رأيت أعجب من أمركم، من فيكم يطمئن أن يشتري من ابنه، أو من أخيه، ضيعة بعشرة آلاف دينار، ولا يشهد عليه العدول؟ فقالوا: ما فينا أحد بهذه الصورة.
قال: أفتستظهرون لأنفسكم، وأعقابكم، في هذا القدر الكثير من المال، وما هو أكثر منه، إلا بالشهادة، وتعتاضون بخطوطهم في جلد يساوي دانق فضة، من ذلك المال العظيم، حتى تأخذوا الصك، بدلاً من المال، فتجعلونه تحت رؤوسكم، لشدة حفظه.
قالوا: نعم.
قال: فمن كان هذا حكمه عندكم، لم تطعنون فيه؟ .
أبو علي بن مقلة الوزير يزيل أثر الحلوى بالحبر
حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك، وكان يعرف بالديناري، لأن أمه دينارية، تقرب إلى امرأة أبي علي بن مقلة، المعروفة بأم الفضل الدينارية.
وسمعت أبا القاسم الحسن بن علي بن مقلة، يحدث بهذا الحديث، واللفظ مقارب، قالا: كان أبو علي بن مقلة، يوماً، يأكل، فلما شيلت المائدة، وغسل يده، رأى على ثوبه نقطة صفراء من الحلوى الذي أكله، ففتح الدواة، واستمد منها بيده، ونقطها على الصفرة، حتى لم يبق لها أثر، وقال: ذاك عيب، وهذا أثر صناعة، ثم أنشد:
إنما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدوي عطر الرجال
من نظم ابن أبي الضحاك
أنشدني لنفسه:
وأشجار نارنج كأن ثمارها ... حقاق عقيق قد ملئن من الدر
تطالعنا بين الغصون كأنها ... خدود العذارى في ملاحفها الخضر
أتت كل مشتاق بريا حبيبه ... فهاجت له الأحزان من حيث لا يدري
وأنشدني لنفسه أيضاً في النارنج:
شجر كأيام الشبا ... ب تعجلت قبل المشيب
وكأنما نارنجها ... وجه الحبيب على رقيب
تهدي إليك جميع ما ... أرضاك من حسن وطيب
لم لا تحن لها القلو ... ب وقد غدت مثل القلوب
للبديهي البغدادي في وصف النارنج
أنشدني أبو الحسن، أحمد بن عبيد الله البغدادي، المعروف بالبديهي، لنفسه:
أنظر إلى النارنج في أغصانه ... نزهاً لأعيننا وعطراً في اليد