ووقع حب الصبية في نفسي، حتى كدت أموت عشقاً لها، وافترعتها، وأقامت معي شهوراً، وهي نافرة عني، وأنا أونسها، وأبكي حسرة على يدها، وأعتذر إليها، وهي تظهر قبول عذري، وأن الذي بها غماً على يدها.
إلى أن نمت ليلة، وانبسطت في نومي، على رسمي، فأحسست بثقل على صدري شديد، فانتبهت جزعاً، فإذا بها باركة على صدري، وركبتها على يدي، مستوثقة، وفي يدها موسى، وقد أهوت لتذبحني، فاضطربت ورمت الخلاص فتعذر، وخشيت أن تبادرني، فسكنت.
فقلت لها: كلميني، واعملي ما شئت، ما الذي يدعوك إلى هذا؟ قالت: أتظن أنك قطعت يدي، وهتكتني، وتزوجت بي، وتنجو سالماً؟ والله لا كان هذا.
فقلت: الذبح قد فاتك، ولكنك تتمكنين من جراحات توقعينها بي، ولا تأمنين أن أفلت فأذبحك، أو أهرب وأكشف هذا عليك، ثم أسلمك إلى السلطان، فيكشف جنايتك الأولى، والثانية، ويتبرأ منك أهلك، وتقتلين.
فقالت: افعل ما شئت، فلا بد من ذبحك، وقد استوحش كل منا من صاحبه.
فنظرت، وإذا الخلاص منها يبعد علي، ولا آمن أن تجرح موضعاً من بدني، فيكون فيه تلفي، فقلت: الحيلة أعمل فيها.
فقلت: أو غير هذا.
فقالت: قل.
فقلت: أطلقك الساعة، وتفرجين عني، وأخرج من البلد، فلا تريني، ولا أراك أبداً، ولا ينكشف لك حديث في بلدك، ولا فضيحة، وتتزوجين من شئت، فقد شاع عند الناس، أن يدك قطعت لخراج خبثها، وتربحين الستر.
فقالت: تحلف أنك لا تقيم في البلد، ولا تفضحني فيه أبداً؟ قال: فحلفت بالأيمان المغلظة.
فقامت عن صدري، تعدو، خوفاً من أن أقبض عليها، حتى رمت الموسى بحيث لا أدري، وعادت، فأخذت تظهر بأن الذي فعلته، مزاح، وتلاعبني.
فقلت: إليك عني، فقد حرمت علي، ولا تحل لي ملامستك، وفي غد، أخرج عنك.
فقالت: الآن علمت صدقك، ووالله، لو لم تفعل، لما نجوت من يدي.
وقامت، فجاءتني بصرة، وقالت: هذه مائة دينار، خذها نفقة، واكتب رقعة بطلاقي، ولا تفضحني، واخرج.
فخرجت في سحرة ذلك اليوم، بعد أن كتبت إلى أبيها، أني قد طلقتها، وأني خرجت حياء منه.
ولم ألتق بهم إلى الآن.
من شعر أبي المغيرة
أبو المغيرة، راوي هذا الخبر، شاعر طويل اللسان، مطبوع، هجاء، ولم مدائح كثيرة، وديوان واسع، وأنشدني لنفسه أشياء، منها:
عرضني للردى هواه ... من معدن السحر مقلتاه
وقد لوى نحوه فؤادي ... صدغ على الخد قد لواه
كأنه عقرب ولكن ... يلسع كل الورى سواه
يا عاذلي في هواه رفقاً ... عذري من الحسن ما تراه
أبو أحمد الدجلي يرى مناماً صادقاً
حدثني الأستاذ أبو أحمد الحسين بن محمد بن سليمان، الكاتب المعروف بالدلجي، قال: رأيت في المنام ذات ليلة - وأنا إذ ذاك أخلف سهل بن بشر على أعمال الأهواز - كأني قد خرجت إلى بعض الصحارى، فصعدت جبلاً شاهقاً، فلما بلغت ذروته، قربت من القمر، أو قرب القمر مني، حتى لمسته بيدي، وكأن في يدي خشبة، قد أدخلتها فيه، وأنا أخضخضها فيه، حتى نقبته، وقطعته قطعاً، ثم أخذت بتلك الخشبة، غيماً، كان قريباً من القمر، فما زلت ألطخه، حتى طينته كله، وكأن صاحباً لي يقول: ما تصنع؟ فقلت له: قد قتلت القمر، وأنا أطينه بهذا الغيم.
وانتبهت، فاشتغل بذلك قلبي، فبكرت إلى أبي الحسن أحمد بن عمر الطالقاني، الكاتب، فلما رآني، قال: رأيت لك البارحة مناماً طريفاً، وأردت أن أجيئك الساعة، فأفسره لك.
فقلت: فإني رأيت البارحة مناماً قد شغل قلبي، فجئت لأحدثك به.
فقال: ما رأيت؟ فقصصت عليه الرؤيا. فقال: لا تشغل قلبك بها، فستلي مكان سهل بن بشر، وتحتوي على منزله، عن قريب.
فقلت: من أين لك هذا؟ وما الذي رأيت أنت؟ فقال: رأيت البارحة في منامي، كأني مجتمع مع رجل صالح، قد هجس في نفسي أنه بعض الصحابة، أسأله أن يدعو الله عز وجل لي، فقال لي: الدلجي صديقك؟ فقلت: نعم.
فقال: قل له: الأهواز وقف عليك، فاتق الله، ولا تؤذي زوجتك، ولا شك أن هذا المنام تفسير منامك.
فاستكتمه المنام، وافترقنا، وعدت.
وما كنت أرى أنني أؤذي زوجتي في شيء، إلا في تسري الجواري، وكانت عندي واحدة منهن، قد أقامت نحو سنة، وكادت أن تغلبها علي، فبعتها على مشتر في الحال، ووهبت ثمنها لزوجتي، وكان ألوف دراهم.