ولم تسكن الفتنة، فقبض أبو محمد، على أكثر بني العباس، الوجوه والمستورين، والعيارين منهم والذعار، حتى قبض في جملتهم على عدة قضاة وشهود هاشميين وصلحاء، وكان ممن قبض عليه محمد بن الحسن ابن عبد العزيز.
وجلس لهم الوزير أبو محمد، يوماً، ليناظرهم، وسامهم أن يسموا له العيارين منهم، والأحداث وحملة السكاكين، ليقبض عليهم، ويفرج عن الباقين، وأن يكفل منه أهل الصلاح، ولأهل الطلاح، ويأخذون على أيديهم، لتطفأ نائرة الفتنة.
وكان القاضي أبو الحسن، محمد بن صالح الهاشمي، حاضراً، فأخذ يتكلم بكلام سديد، في دفع هذا، وترقيق المهلبي، ويرفق به.
فاعترض ابن عبد العزيز الخطاب، وتكلم بكلام فيه حراشة وجفاء وخشونة.
فسمعت أبو محمد يقول له: يا ماص كذا وكذا، ما تدع جهلك، والخيوط التي في رأسك، كأني لا أعرفك قديماً وحديثاً، وأعرف حمقك، وحمق أبيك، وتشنيعك لمجالس الوزراء، وشهوتك أن تقول: قال الوزير، فقلت له، وما تظن إلا أن المقتدر على السرير، وأنا أحد وزرائه، ولا تعلم ان صاحب السرير اليوم، هو الأمير معز الدولة الديلمي، يرى أن في سفك دمك قربة إلى الله تعالى، وأن وزنك عنده كوزن الكلب، يا غلمان جروا برجله.
فجرت رجله ونحن حاضرون، فرأيت قلنسوة كانت على رأسه، وقد سقطت.
ثم قال: طبقوا عليه زورقاً، وانفوه إلى عمان، فأجلس في الزورق، وحدر.
فقبلت الجماعة يده، وراسله الخليفة المطيع لله في أمره، ولم تزل المراسلات، إلى أن عفا عنه، وألزمه بيته، وأخذ خط أهله بجميع ما كانوا امتنعوا منه، مما سامهم إياه، وتلقط خلقاً من أحداث الهاشميين، وغيرهم من العامة، وأهل الذعارة والعصبية، فجعلهم في زواريق، وطبقها عليهم، وسمرها، وأنفذها إلى بصنى وبيروذ، فحبسهم في حبوس ضيقة هناك، ودور تجري مجرى القلاع، فكانوا فيها إلى أن مات أبو محمد، ومات منهم خلق في الحبس، ثم أطلق بقيتهم، على قلتها، بعد موته بسنين، وزالت الفتنة إلى الآن.
لو سلم من العشق أحد
لسلم منه أبو خازم القاضي: حدثني أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي، كاتب القضاة من بني عبد الواحد بالبصرة، وله شعر جيد حسن، واتساع تام في الأدب، رواية له وحفظ، وكتب مصنفة فيه، قال: حدثني أبو إسحاق الزجاج، قال: كنا ليلة بحضرة القاسم بن عبيد الله يشرب، وهو وزير، فغنت بدعة جارية عريب.
أدل فأكرم به من مدل ... ومن ظالم لدمي مستحل
إذا ما تعزز قابلته ... بذل وذلك جهد المقل
فأدت فيه صنعة حسنة، فطرب القاسم عليه طرباً شديداً، واستحسن الصنعة والشعر، وأفرط في وصف الشعر.
فقالت بدعة: يا مولاي، إن لهذا الشعر خبراً أحسن منه.
قال: ما هو؟ قالت: هو لأبي خازم القاضي.
قال: فعجبنا من ذلك، مع شدة تقشف أبي خازم، وبغضه وورعه، وتقبضه.
فقال لي الوزير: يا الله يا أبا إسحاق، بكر إلى أبي خازم، وسله عن هذا الشعر وسببه.
فباكرته، وجلست حتى خلا وجهه، ولم يبق إلا رجل بزي القضاة عليه قلنسوة، فقلت له: شيء أقوله على خلوة.
فقال: قل، فليس هذا ممن أكتم.
فقصصت عليه الخبر، وسألته عن الشعر والسبب.
فتبسم، وقال: هذا شيء كان في الحداثة، قلته في والدة هذا - وأومأ إلى القاضي الجالس، فإذا هو ابنه - وكنت إليها مائلاً، وكانت لي مملوكة، ولقلبي مالكة، أما الآن فلا عهد لي بمثله منذ سنين، وما عملت شعراً منذ دهر طويل، وأنا أستغفر الله مما مضى.
قام: فوجم الفتى، وخجل، حتى ارفض عرقاً.
وعدت إلى القاسم فأخبرته، فضحك من خجل الابن، وقال: لو سلم من العشق أحد، لكان أبو خازم مع بغضه.
وكنا نتعاود ذلك زماناً.
علوي يفتخر بنفسه
أنشدني أبو إسحاق، إبراهيم بن علي النصيبيني المتكلم، وأبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء وغيرهما، قالوا: أنشدنا أبو عبد الله ابن الأبيض العلوي بالشام، لنفسه:
وانا ابن معتلج البطاح تضمني ... كالدر في أصداف بحر زاخر
ينشق عني ركنها وحطيمها ... كالجفن يفتح عن سواد الناظر
كجبالها شرفي ومثل سهولها ... خلفي ومثل ظبائهن مجاوري
وذكر أبو الحسن السلامي: إن أبا الحسن الرامي مر على علي بن خلف القطان البغدادي، وأنشده هذه الأبيات لنفسه.
ابن قناش الجوهري يصف دجلة