فجاءه يوماً أبو علي الحسين بن القاسم بن عبيد الله، وأبو جعفر الكرخي مسلمين، فحبسهما للأنس، وأجلست في دست، في صدر قبة كانت له، وجلس دونهما على مطرح، وفرش في بيت إلى جانب القبة، له باب إليها، واجلس فيه ابنه، وأجلسني معه، وكأنه رفع الرجلين عن معاشرتهما لنا، ونحن أحداث، وأراد بذلك سماع كلامهما، والأنس بسماع الغناء.
وكان إلى جانب القبة، بيت آخر، فأجلس الغناء فيه، ومدت ستارة على بابه.
وأخذوا في الشراب، ونحن نسمع الغناء، وما يجري من كلامهم، ولا نرفع أصواتنا بالكلام، لئلا يسمعوا ذلك.
فلما توسطوا الشراب، أحضر باكورة، فقبلها، ثم أقبل عليهما، وقال: الإنصاف أن أقسمها أثلاثاً، ولكني قد وفرت قسمي عليكما يا سيدي، فاقتسماها أنتما.
فأخذها الحسين بن القاسم، فقال: يا سيدي، يا أبا جعفر، هذه تحب أن آخذ أنا ثلثيها، وأعطيك ثلثها؟ فقال الكرخي: فعلام يا سيدي؟ فقال: لأنك، أنت وأخوك، ولدتما توأماً، فأنت نصف توأم، وأنا تام لأني ولدت وحدي، ولو كان أخوك حاضراً، لكان لي ولك وله أثلاثاً، ومع غيبته، فأنت لا تستحق أكثر من الثلث.
فقال له أبو جعفر: ما أعجب هذا، أنت رجل كان جدك نصرانياً، يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، ونشأ أبوك فصار ثنوياً، وترك مرتبة، ونشأت أنت فكان القياس أن تترك مرتبة واحدة أخرى، ولكنك تركت مرتبتين، فنشأت ملحداً، لا تعتقد شيئاً أصلاً، ولم نعيرك بذلك، تعيرنا أنت بالتوأم، ولا ذنب لنا فيه، وما هو عار على الحقيقة.
فغضب الحسين بن القاسم، وابتدر ليجيب.
فقام دلويه، وقال: الطلاق ثلاثاً، لازم لي، وكل ما أملكه صدقة، إن أجبت يا سيدي بشيء، ولا تكلمت أنت يا سيدي، يا أبا جعفر بشيء، فإن هذا يخرج الآن عن المزاح إلى العربدة، والأحقاد، والوحشة التي تبقى، وقدركما يرتفع عن هذا.
قال: فسكتا ساعة واجمين، ولم يزل أبو محمد، يداريهما، ويبسطهما، ويستعطف كل واحد منهما لصاحبه، حتى اصطلحا.
ابن سكرة الهاشمي يهجو
القاضي ابن أبي الشوارب
أنشدني محمد بن عبد الله بن سكرة الهاشمي، وهو من ولد عبد الله بن علي بن المهدي، المعروف بابن ريطة، غلب عليه اسم أمه، كما غلب على إبراهيم بن المهدي، اسم أمه شكلة، يهجو أبا العباس بن أبي الشوارب، وهو من ولد خالد بن أسيد الأموي، أخي عباد بن أسيد صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، لما تقلد قضاء القضاة، وكانت العامة تلقبه بحدندل:
خلعت على حدندل من مديحي ... قميصاً لا اكتسى رجل كساه
على نفسي دعوت لأن جهلي ... دعاني أن شرهت إلى نداه
وكيف رجوت جوداً من عدوي ... ولم أغسل حسامي من دماه
من مختار شعر أبي فراس
لأبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون العدوي التغلبي، قصيدة أولها:
وقوفك في الديار عليك عار ... وقد رد الشباب المستعار
ويقول فيها:
وطال الليل بي ولرب دهر ... نعمت به لياليه قصار
وندماني السريع إلى ندائي ... على عجل وأقداحي الكبار
عشقت بها عواري الليالي ... أحق الخيل بالركض المعار
إذا انحسر الظلام امتد آل ... كأنا دره وهو البحار
يموج على النواظر فهو ماء ... ويلفح بالهواجر فهو نار
فكم بلد شتتناهن فيه ... ضحى وعلى منابره المغار
وكن إذا أغرن على ديار ... رجعن ومن طرائدها الدمار
وكم ملك نزعنا الملك منه ... وجبار بها دمه جبار
وله قصيدة أولها:
عذيري من طوالع في عذاري
يقول فيها:
أرى نفسي تطالبني بأمر ... قليل دون غايته اصطباري
وما يغنيك من همم طوال ... إذا قرنت بأحوال قصار
وقيل لي انتظر زمناً ومن لي ... بأن الموت ينتظر انتظاري
للشاعر الببغاء يصف شراباً
أنشدني أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي، المعروف بالببغاء، الكاتب، لنفسه، يصف شراباً في قدح أبيض، أبياتاً ثابتة في ديوانه، اختصرت منها قوله:
بالقفص للقصف منزل كثب ... ما للتصابي في غيره أرب