قال: فأعجبه قولي جداً، فقال لي: يا أبا علي، أنت والله مقبل، - وكررها مراراً - ، قبل أن تدخل بلحظة، حضرني من قال: إنك قد أصعدت إلى الحاجب سبكتكين، لتشاكيني إليه، فاعتقدت لك كل قبيح، وعملت على نصرة فعلي، إن جرى فيه كلام، بكل ما يجوز أن ينصر به مثله، فأنا أفكر في ذلك، إذ استؤذن لك علي، فدخلت، فسحرتني، ووالله، لا خرجت من هذا الموضع، أو أوصلك إلى مالك، أو أكثره، وأقيم لك بالباقي وجوهاً ناضة.
وجذب الدواة، فكتب الوجوه، بما يعجل، ويسبب، وفرغ من ذلك، وأمر بإنشاء الكتب، وسبب لي بالباقي، على سباشي الخوارزمي، مولى معز الدولة، ضامن البصرة.
فأخذته في مدة قريبة، وأصعدت إلى واسط.
وشديد عادة منتزعة
حدثني أبو بكر بن جعفر السواق، أحد تجار الكرخ ببغداد، المشهورين باليسار والستر، وحفظ القرآن، ووجه من وجوههم، قال: كان علي وعد بنقدة، لابن عبدان الصيرفي، وهذا رجل باق إلى الآن، من وجوه الصيارف، بدرب عون، من المياسير، فأخرت إنجازه، لضرورة لحقتني، ولم تكن عادتي جارية معه بمثل ذلك.
فجاءني يقتضيني، وقال في عرض الخطاب: أقول لك يا أبا بكر، كما قال الله: وشديد عادة منتزعة.
فقلت: إنا لله، إنا لله، ما قال الله عز وجل هذا.
قال: فاستحيا مني، وقام، فما عاد إلي أياماً.
فلما حضرت الدراهم، أنفذتها إليه.
صلاة التجار
وكان عندنا بالبصرة، رجل من التجار، مستور، يعرف بأبي علي بن سعدان، أحد الباعة في دار البطيخ، موسر، يركب، وينبسط في المجالس، وفي الكلام.
فأخبرني أبو طلحة الأزدي، صاحب بني المثنى، شيخ مستور، قال: رأيته مرة، ونحن جلوس في دهليز جعفر بن عبد الواحد القاضي، ننتظر الإذن عليه، وقد حضرت العصر، فقام كل واحد منا، فصلى، وقام ابن سعدان، فصلى صلاة، لم أر قط أسخف منها.
فقلت له: يا أبا علي، هذه ليست صلاة، فأحسن صلاتك، فإن هذه الصلاة، كما قال ابن المعتز:
صلاتك بين الملا نقرة ... كما اختلس الجرعة الوالغ
فقال لي: يا أبا طلحة، أعزك الله، هذا فضول لا نعرفه، نحن نصلي صلاة التجار.
فقلت له: هذا أعجب، كأن الله عز وجل، فرض على التجار صلاة غير الصلاة التي فرضها على سائر عباده؟ وتمام الشعر، لابن المعتز، مشهور، وكان النميري، نديمه، صلى بحضرته، صلاة سخيفة، ثم سجد بعدها، سجدة طويلة.
فقال ابن المعتز، ارتجالاً، البيت الأول، وتمامه:
وتسجد من بعدها سجدة ... كما ختم المزود الفارغ
من بز يوماً بز به
حدثني محمد بن عدي بن زحر البصري، جارنا بها، قال: رأيت أبا إسحاق ياسين، وهو رجل كان ينزل بالقرب من الجامع بالبصرة، وقد حدث في آخر عمره، يناظر رجلاً في الجامع، وهو يقول له: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
من بز يوماً بز به ... والدهر لا يغتر به
القاضي ابن بهلول يوصي القاضي
التنوخي لما نصبه للقضاء
حدثني أبي، قال: كان أول شيء قلدته، القضاء بعسكر مكرم، وتستر، وجنديسابور والسوس، وأعمال ذلك، من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي. وكنت في السنة الثالثة والثلاثين من عمري، وذلك في شهور إحدى عشرة وثلاثمائة، لأن مولدي في ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ومائتين.
فلما سلم إلي أبو جعفر العهد، أوصاني بتقوى الله عز وجل، وبأشياء من أمور العمل، وسياسته في الدنيا والدين، وبأمر جاريه، أتنجزه من العامل هناك، لأنه كان مسبباً عليه، فودعته، ونهضت.
فقال: اجلس، فقد أنسيت مهماً.
فجلست، فقال: إنك شاب، وفضلك تام، وعملك وافر، وإنك سترد على قوم فيهم شر، وسيحسدونك على فضلك، أو يطلبون معايبك، إذا حكمت عليهم بالحق، فلا يجدون طريقاً إلى الغض منك، إلا بنسبتك إلى الحداثة، وقلت حنكتها، ولن تعدم منهم ذلك، فإن صدقت حققوا ما يريدون، والكذب لا يجوز، فإياك أن تخبر بسنك على حقيقتها، ولكن إذا سئلت عنها، فقل: دون الأربعين سنة، فلو كانت عشرين، أو أقل، لكنت صادقاً، وفي فزعك إلى الأربعين ستر عليك، لأنها الأسد، وحد التكهل والحنكة، فإن بليت بمن يطول معك، فيقول: دون الأربعين بكم؟ فقل: لست أذكر، وانو أنك لست تخبر، ليقطع الخطاب، ويقع للسائل، أنك ناس حقيقة سنك.