فأقبل المهلبي، وقال: يا أبا الحسين، شتان بين الرجلين، دخل إلي ابن عبد الواحد فعملت على أن أقصيه، بما عاملته من قلة الرفع والتقرب، فعرض علي أول رقعة، فاعتقدت قبل قراءتها أن أردها، فلما قرأتها، وجدتها لحاجة غيره، فاستحييت أن يكون أكرم مني، وقد بذل جاهه لمن سأله سؤالي، مع ما يعلمه بما له عندي، فما منعه ذلك أن يستميح بجاهه للسائل، وأبخل أنا بما أقدر عليه، فيكون أكرم مني، فأنفت من ذلك، ووقعت له، ثم توالت رقاعه، فوجدت جميعها في حوائج الناس، ما له ولا لأحد ممن يخصه شيء منها، فوقعت في جميعها، ونفسي سمحة بذلك، وقد نبل في عيني، وتذممت من رده.
وقد دخل هذا، فعاملته من الأكرام بما رأيت، لما بيني وبينه، فعرض رقاعه، فوجدت أولها في شيء يخصه، فوقعت له، وكلما عرض رقعة تطلبت أن يكون فيها شيء لغيره، فأقضيه له، وأجعل له محمدة عليه، فما وجدت الجميع إلا له، وفيما يخصه، فكرهت ذلك منه، وانحط من عيني، ولم أستحسن رده، لما بيننا، فوقعت له، فكيف يمكنني أن أرفع ممن هذا سبيله، وأضع ممن ذلك سبيله.
الغيبة فاكهة القراء
سمعت أبا إسحاق، يقول: سمعت جعفراً الخلدي، يقول: سمعت الجنيد، يقول: سمعت السري السقطي، يقول: فاكهة القراء الغيبة.
سري السقطي يشتهي أكلة
وسمعته يقول: سمعت جعفر الخلدي، يقول: سمعت الجنيد، يقول: سمعت السري السقطي، يقول: أشتهي منذ ثلاثين سنة، شهوة ما قدرت عليها.
فقيل له: ما هي؟ قال: أشتهي آكل أكلة، لا يكون فيها لله عز وجل علي تبعة، ولا لمخلوق، فما وجدت ذلك.
من مكارم أخلاق أبي عمر القاضي
وسمعت أبا إسحاق، يقول: سمعت بعض شهود الحضرة القدماء، يقول: كنت بحضرة أبي عمر القاضي، وجماعة من شهوده، وخلفائه الذين يأنس بهم، فأحضر ثوباً يمانياً، قيل له في ثمنه خمسون ديناراً، فاستحسنه كل من حضر المجلس.
فقال: يا غلام، هات القلانسي، فجاء.
فقال: اقطع جميع هذا الثوب، قلانس، واحمل إلى كل واحد من أصحابنا قلنسوة.
ثم التفت إلينا، وقال: إنكم استحسنتموه بأجمعكم، ولو استحسنه واحد، لوهبته له، فلما اشتركتم في استحسانه، لم أجد طريقاً، إلا أن يحصل لكل واحد منكم، واحدة منها.
تعليق المهلبي على كتاب القنائي الكاتب
حدثني أبو الحسين محمد بن محمد بن إسماعيل بن شانده الواسطي، قال: كان أبو قرة، الحسين بن محمد القنائي الكاتب، قد كتب لأبي علي كتاب ابن العباس الديلمي، المعروف بالكوسج، ضامن واسط، برسالة الوزير أبي محمد المهلبي، ومشورته عليه بذلك، ثم استوحش منه، فاستتر منه، يومين، أو ثلاثة، وراسله، فأمنه، وظهر، فكتب أبو قرة، إلى المهلبي، بخبره، بعد ظهوره، بسبب استتاره، لئلا يهجن أخباره عند أبي علي.
قال: فوقع بخطه على ظهر الكتاب، توقيعاً قرأته، فكان: أحسن الله إليك، كما أحسن توفيقك، فلتسكن نفسك، فإني عونك، ومن ورائك، إن شاء الله.
الوزير المهلبي يستولي على غلات بالبصرة
دون رضى أصحابها
وحدثني أيضاً، قال: كان المهلبي، في بعض انحداراته إلى البصرة، وهو وزير، أضاق، فأخذ غلة عظيمة، بعشرة آلاف دينار، لأبي علي، وجدها بالبصرة، وأخذ غلات التجار المحدورة من دستميسان، وواسط، وغلات خلق كثير، وباعها، وصرفها، في دخل وخرج المملكة.
فأشير على أبي علي، بالإصعاد إلى سبكتكين الحاجب، ومسألته ليخبر معز الدولة بذلك، فيأمر بارتجاعها منه.
فخالف أبو علي، وانحدر إلى المهلبي، فتلقاه بالأبلة.
قال: فلما صعدت إليه، هش بي، وسر سروراً عظيماً، وقال: ما جاء بك؟ فقلت: بلغني أن الوزير أيده الله، أخذ غلة وجدها لي بالبصرة، فسررت بذلك، لتقديري أنه شرفني بهذه الحال، وبسط يده في مالي، كما يبسطها في مال نفسه، وأوليائه، إذا احتاج إلى أموالهم، وتشرفت بذلك، إلى أن بلغني أنه أخذ مع مالي، أموال التجار، وأصحاب الضياع، وأصاغر الناس، من أهل دستميسان، وواسط، فأقلقني ذلك، وعلمت أن هذا، لو كان على سبيل الأنس، لخصني به سيدنا الوزير، ولم يشرك فيه معي، هذه الطبقة، التي لا يجوز لمثله أن يأنس بها في قرض ولا استعانة، وإنما هم للمصادرات فقط، فخفت أن يكون جميل رأيه في، استحال، في تخليطي بهذه الطائفة، فجئت مستصلحاً لرأيه، وواقفاً تحت أمره.