FluentPlex

Table-Talk

شغف المتوكل بالعود الهندي

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

فقال: ويحك، إن أبي كان من أولاد الملوك، وقتل أبوه، وانتزى على ملكه بعض قواده، ثم خرج عليه، ولم يكن من أهل بيت الملك، فهرب أبي خوفاً على دمه، إلى عمان، فدخلها مستخفياً، وتنقل في البلدان، إلى أن وقع ببغداد، في زي التجار، ومعه من يخدمه، ويكتم أمره، وطاف بلدان العراق، وكانت المادة تحمل إليه من ها هنا.

فأقام بالعراق سنين، حتى تفصح بالعربية، وعاشر أهل العراق، ونكح منهم، وخالطهم، وتطاولت السنون به، ومات ذلك الخارجي، الذي قتل أباه، وغصبه الملك، فأوقف أهل المملكة الملك عليه، وكاتبوه بالصورة، واستقدموه، وأمدوه بالأموال، فاستصحب قوماً من العراقيين، من أهل الأدب والعشرة، وأهل الصنائع، فقدم، فملك الأمر، وجعل غرضه، طلب العراقيين، وأسنى لهم العطايا، فكثروا عنده، فبنوا له هذه الحجرة، وخدموه بهذه الآلات.

فكان يجلس لأهل المملكة في زيهم، لئلا يشيع عليه مخالفتهم في الزي، وينقص بين ملوكهم، فيهون أمره عندهم، ويجلس في خلواته هكذا.

فلما ولدت، أسلمني إلى العراقيين، والهنديين، فكلموني باللغتين، فنشأت أتكلم بهما، ثم أدبني العراقيون، وغلبوا علي.

فلما مات، سلم الملك إلي، فاتبعت طرائقه في الجلوس العام لأهل المملكة بزيهم، والانفراد عنهم في الخلوة بهذا الزي.

قال: فقلت له: فما ذلك الذي تعلقه في حلقك في الصرة؟ فقال: هذه الصرة، فيها عظم من عظام الرجل الذي جاء بعبادة البد وأقام هذه الشريعة لهم، وله كذا وكذا ألف سنة، وذكر عشرات ألوف سنين.

وقال: إن الرجل، لما مات، وصى، بأن يجعل في تابوت، بعد تابوت، كذا وكذا ألف سنة، فما يزال، كلما بلي شيء من عظامه، احتفظوا بالباقي، ونحوا البالي، لئلا يسرع الفساد إلى الصحيح، إلى أن لم يبق منه إلا هذا العظم الواحد، فخافوا أن يبلى أيضاً، فجعلوه في حق من ذهب، وجعلوهما في صرة، وصارت الملوك تعلقه في حلوقها، في خيط، تعظيماً، وتبركاً به، وتشرفاً بمكانه، وصيانة له عن البلى، فقد علق في حلق كذا وكذا ملك، مدة أيام ملكهم كذا وكذا سنة، وذكر أمراً عظيماً، وقد صار عندنا كالبردة التي لصاحبكم، يلبسها خلفاؤكم.

قال: فلما طال مقامي، وضجرت، سألته الإذن في تسريحي، وأعلمته إعجاب الخليفة، بالعود الهندي، وأشرت عليه بالاستكثار منه، وقلت: هو أحب إليه من جميع ما تهديه إليه، من غيره.

فأنفذ منه شيئاً عظيماً، هائلاً، كثيراً، وفيه من الطرائف ما لم يسمع بمثله.

وأنفذ معه من الجواهر، واليواقيت، والتوتيا، وطرائف بلاده، ما يكون قيمته مالاً جليلاً، وأضعاف ما حملناه إليه.

فلما أردت توديعه، قال: اصبر، ثم دعا بصندوق، ففتحه، وأخرج منه مفتاح ذهب، وأخرج منه قطع عود هندي لطافاً، فأعطانيها، وقد كان قد ما أعطانيه نصف رطل، ودعا بدرج، وجعله فيه، وقفله، وسلمه ومفتاحه إلي، وقال: هذا خاصة، توصله من يدك إلى يده.

قال: فأنكرت ذلك في نفسي، وقلت: أبت الهندية فيه إلا الحمق.

قال: فبان له التنكر في وجهي. فقال: أظنك احتقرته؟ فقلت: وما هذا حتى توصيني فيه بمثل هذا.

فقلت: الملك يقول.

فقال: يا غلام، هات مجمرة، وناراً.

فأتى بهما، ودعا بمنديل لطيف للكم، فأتى به، وأخرج من ذلك العود شظية، مقدار أقل من نصف دانق فضة، فطرحها في النار، وبخر بها المنديل، ثم قال: شم.

فشممت شيئاً، لم أدر ما هو، لا يشبه الند، ولا العود، ولا شيئاً طيباً نتبخر به، ما شممت مثله قط.

فقلت: يحق لهذا أن يوصيني به الملك بما وصى.

فقال: اصبر، حتى أريك منه أعجب مما رأيت.

ودعى بطشت وماء، فأحضرهما، وأمر بغسل المنديل بالصابون، فغسل بين يديه، ثم أمر بأن يجفف في الشمس، ويحضر.

قال: ففعل.

ثم قال: شمه.

فشممت الرائحة بعينها، لم تتغير، ولا نقصت.

فأعاد الغسل بالصابون، والتجفيف، دفعات تقارب العشرة، إلى أن انقطعت الرائحة في الأخيرة.

فهالني ذلك.

فقال: اعرف الآن قدر ما معك، واعلم أنه ليس في خزائن ملوك الهند كلها، من هذا، رطل واحد، غير ما أعطيتك، وعرف صاحبك فضيلته.

قال: فودعته، وانصرفت.

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita