FluentPlex

Table-Talk

شغف المتوكل بالعود الهندي

Texto original Public domain

Leer con el diccionario

فلما أجد بي الخروج، قلت: ليس إلا أن أحمل معي شراباً كثيراً، فإذا اشتدت الأمواج، شربت، وسكرت، ولا أعقل إن غرقت، ولا أحس بعظم الأمواج، مع السكر.

فاستكثرت من الشراب القطربلي والغناء الحسن، والتفاح الشامي، وجعلت بعضه في العسل، ليبقى.

وخرجت، فأقمت بالبحر شهوراً، وعانيت أهوالاً عظيمة، إلى أن وصلت إلى الساحل من بلد الهند، فأركبت الظهر، وسرت من بلد إلى آخر، إلى أن دخلت بلهوار، دار الملك الأعظم من ملوك الهند، وهو اسم الملك الأعظم هنالك.

فوصلت إلى البلد، مع أصحابه، وقد تلقيت، وأكرمت، وخدمت، وأنزلت داراً حسنة، من دورهم.

ثم جلس مجلساً عاماً، فدخلت إليه، وهو في حفله، وتأهبه، وجيشه، ورعيته، وقد جلس على سرير ملكه، وعليه مئزران حرير صيني، وقد اتشح بأحدهما، واتزر بالآخر، وفي حلقه خيط فيه صرة من ذلك الحرير، لا أدري ما فيها.

وكلمني بترجمانه، وقال: يقول لك الملك، لأي شيء قصدت؟ فقلت له: إن أمير المؤمنين أحب صلة الحال والمودة بينه وبينه، فبعثني لذلك، وحمل على يدي هداياه، وسألت أن يأمر بتسلمها.

فأعاد الترجمان عنه، جواباً حسناً جميلاً، وإنه أمر بقبض الهدية، وانصرفت، ورسله معي، فتسلمها.

وترددت إلى المجالس العامة، دفعات.

فلما كان بعد أيام، استدعاني في نصف نهار، وكان الزمان حاراً، فدخلت دار العامة التي كنت أصل إليه فيها، فلم أجد فيها كثير أحد، فأدخلت من موضع إلى آخر، حتى أدخلت إليه، وهو جالس في حجرة في غاية الحسن، والسرو، والظرف، والملاحة، وفاخر الآلات، كأنها من حجر دار الخلافة، ودست طبري في نهاية الحسن، والملك جالس فيه، وعليه قميص قصب في نهاية الخفة والحسن، وسراويل دبيقي، بتقطيع بغدادي، وعلى مسورته رداء قصب فاخر جداً، وبين يديه آلات ذهب، وفضة، وصياغات كثيرة عراقية، كلها حسنة، مملوءة بالكافور والماورد، والعنبر، والند، والتماثيل.

فلما دخلت، كلمني بالعربية، بلسان طلق ذلق، وقال: كيف أنت من قشف بلادنا؟ فشكرت إنعامه، وقرظت بلاده، وذكرت له أني في ريف من تفقده، وبره.

فباسطني، وطاولني، واستطاب حديثي، وأفضت معه في فنون من الأمور، حتى تكامل انبساطه إلي.

وتأملت أمره كله، فإذا رجل عراقي، متأدب.

فسقاني من شراب بين يديه، أصفر، في قدح، في صينية، وقال: اشرب هذا، وقل لي، هل عندكم مثله؟ فقبلت يده، وقبلت القدح، وشربته، وقلت: هذا، في نهاية الطيب والحسن والجودة.

فقال: أصدقني، هل عندكم مثله؟ فوصفت له الشراب القطربلي، وذكرت منافعه، وفضائله، وطيبه، وزدت في الوصف، وبسطته، فرأيت في عينه، استبعاداً لقولي.

فقلت له: إني كنت استصحبت منه شيئاً في طريقي، وقد فضل منه فضلة، لا أرضاها لحضرة الملك، ولكن إن أمر بإحضارها، ليعتبر بها صحة ما ذكرته له، أحضرتها.

فقال: افعل.

فقلت لغلامي: احمل كلما بقي عندنا من الشراب، فجاء الغلام بأدن يسيرة.

وقلت له: أن يحمل شيئاً من التفاح الشامي.

فحمل مما كان في العسل، عدة تفاحات، ومسحها من العسل، وكان في بعضه قد بقيت منه بقية صالحة.

فلما وضعت الدنان بين يديه، أمرت غلامي، ببزلها في قدح، وشربت منه أولاً، ثم دفع إليه، فاستحسن ذلك.

ثم أخذ التفاح، فلما رأى لونه، رأى شيئاً غير ما عنده، وشمه، فكاد أن يشهق استطابة، وشربه، وتقدح بشيء من التفاح، وقد كنت كسرت واحدة، وأكلت نصفها في حال شربه، وتركت النصف الآخر بين يديه، فتنقل به، ومسح فاه.

ثم قال لي: ما ظننت أن في الدنيا مثل هذا الشراب، ولا مثل هذا النقل، ولقد بعد في نفسي ما أخبرتني به، فلما شاهدته صدقتك، وعظم في نفسي بلد يكون مثل هذا فيه مبتذلاً، ولم أصدق ذلك لو لم أشاهده.

ثم قال لي: ويحك، تشربون مثل هذا، وتتنقلون بمثل هذا، وتموتون؟ إن هذا لأمر عجيب.

ثم صار يستدعيني، كل يوم، إلى تلك الحجرة، فآكل معه، ونشرب، ويخرج إلي بالأحاديث.

فلما أنست به، قلت له: أيها الملك، أتأذن لي، أن أسأل عن شيء؟ قال: قل.

قلت: إن الله عز وجل، قد جمع لك من الملك العظيم، أنك جالس في هذه الحجرة في قطعة من دار الخلافة بالعراق، بلا فرق ولا شك، وقد أعطاك من حسن الرأي والفهم، واللسان العربي، ما جعلك به، كأنك رجل من أهل بغداد، فمن أين لك هذا؟

Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado

Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.

Crear cuenta gratuita