إن أبا القاسم البريدي، أيام تقلده الأمر بالبصرة، شرب يوماً، وعنده جماعة من ندمائه، فافتقد قحف بلور، كان معجباً به، وطلبه الشرابية، فلم يعرف له خبر.
فحلف إنهم إن لم يحضروا، ضربهم بالمقارع.
فقال له أحدهم: لا تعجل، ولكن مر بإحضار كل من كان البارحة حاضراً.
فأمر بإحضارهم، فجلسوا، وأنفذ الغلام إلى منزل كل واحد منهم، برسالة منه، أن أنفذوا القحف البلور، الذي حملته إليكم البارحة.
فعاد أحد الرسل، من دار أحدهم، ومعه القحف.
فافتضح ذلك النديم، وسقط محله.
وهذا، مضاد لما حكي عن بعض الأكاسرة، إنه كان يشرب، فوقعت عينه على غلام من غلمانه، وقد سرق صينية ذهب، مع ما فيها، وحملها، فأمسك الملك، وفاز بها الغلام.
فافتقدها الخزان في الغد، وجاءوا في طلبها، فدعاهم، وقال: لا تتعبوا في طلبها، فقد أخذها من لا يردها، ورآه من لا ينم عليه.
قال: فأمسكوا.
فلما كان بعد سنة، كان الملك يشرب، فدخل ذلك الغلام، فرأى عليه منطقة ذهب حسنة.
فقال له الملك سراً: هذا من ذاك؟ فقال: نعم.
فقال: إن كان ما عندك من الدنانير التي في الصينية، قد نفد، فعرفني، لأدفع إليك أخرى.
ألوان من الحجاب
وحدثني، قال: وحدثنا أبو الحسين أحمد بن الحسن بن المثنى، قال: لما قدم حامد بن العباس الأبلة، يريد الأهواز، وهو وزير، خرجت لتلقيه، فرأيت له حراقة، ملاحوها خصيان بيض، وعلى سطحها شيخ، يقرأ القرآن، وهي مظللة، مسترة.
فسألت عن ذلك، فقالوا: هذه حراقة الحرم، لا يحسن أن يكون ملاحوها فحولة.
قال: وقال لي أبو الحسين: دخلت إلى ابن الجصاص في داره ببغداد، فرأيت خصياناً بيضاً مزينين.
جواب لأبي العيناء
قال: حدثنا أبو الحسين، قال: رأيت لأبي العيناء، خادمين، خصيين، أسودين، يقودانه.
فقيل له: كيف اتخذت خصيين أسودين؟ فقال: حتى لا يتهما بي، ولا أتهم بهما.
أبو العيناء لا ينسى ما حفظ
وحدثني، قال: حدثنا أبو الحسين، قال: قدم أبو العيناء البصرة، في سنة نيف وثمانين، بعد الغيبة الطويلة، التي غاب عنها، وخدمته للخلفاء، والوزراء، بسر من رأى.
وكان أبو خليفة، إذ ذاك، عالم البصرة، بالحديث، والأخبار، واللغة، والنحو، ومحمد بن جعفر بن بسام، قاضيها، وكان له محل من الأدب، واللغة، والشعر، كبير، وكنت منقطعاً إليه، ملازماً له، أدرس عليه الفقه، فكان أول من ائتمنني، ورفع شأني.
فقال لي: يا أبا الحسين، قد قدم أبو العيناء، وأحب أن أجمع بينه وبين أبي خليفة، وننظر أثرهما.
فقلت: علي ذلك.
قال: فمضيت، ولقيت أبا العيناء، وعقدت عليه وعداً للحضور، عند ابن بسام، وعلى أبي خليفة، فاجتمعا.
فأخذ أبو العيناء، في الرواية عن الأصمعي، ومشاهداته مع المتوكل، وابن أبي دؤاد، وفلان، وفلان، والشعراء.
قال: فأسكت أبو خليفة، فلم ينجر معه، ولم يلحق به.
قال: فأثنينا على أبي العيناء، وقرظناه.
فقال: يا أيها القاضي، أنا لا أنسى ما كنت أحفظه منذ أربعين سنة.
أبو العيناء وأحمد بن الحسن بن المثنى
وحدثنا أيضاً، قال: حدثني أبو عبيد محمد بن علي الآجري، قال: كنت عند أبي العيناء، لما قدم البصرة، سنة نيف وثمانين، بتسبيبات له على عمالها، وكان معنا أصحاب الحديث.
فقيل له: قد دخل إليك ابن المثنى، فقام، وقدر، أن أبا علي الحسن بن المثنى، قصده.
فقال له بعض الحاضرين: إنه أحمد بن الحسن بن المثنى، فجلس، قبل أن يقرب منه أبو الحسين.
ثم استدنى أبا الحسين، وأكرمه، وسأله عن خبر أبيه، فأخبره بوفاته، فترحم عليه، وقال: أنا أسن منه.
فسألناه عن مقدار الزيادة، فقال: لا أدري، كنت يوماً في مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالبصرة، وقد اجتاز بنا، وكان أصحاب الحديث حضوراً، وكان موسى لا يطيق أن يدخل مجلسه غلام أمرد، ليسمع الحديث، فحين رآه موسى، صاح: يا غلام، أخرجه.
فقلنا له: أعز الله القاضي، هذا ابن أخيك، أبو علي بن المثنى.
قال: فرفعه، وقدمه.
أبو خازم القاضي يريد أن يولي أحمد
بن الحسن بن المثنى القضاء
وحدثني، قال: حدثني أبو الحسين، قال: لما نشأت، كتب أبو خازم القاضي، إلى أبي، يقول: إنه قد بلغني أنه قد نشأ لك فتى يطلب العلم، ومن حاله، وصفته، - قال، وقرظني - فأنفذه إلي، لأقلده القضاء.