قال: فرأيته، وقد جاء إلى قطن كان مع صاحبه، فاستخرج منه كبة، وأخذها بيده، ثم جاء إلى سراويل الذي يفسو، فخرقه، فلم يزل يدس القطن في حجره.
هذا من تعليم القرد
وأخبرني أن بعض الصوفية حدثه: أنه اجتمع في بيت واحد من خان، مع قراد أمرد، فراوده عن نفسه، فحين حصل فوقه، التمس منه تمكينه من إتيانه في ذاته، فامتنع.
فأومأ إلي القرد بيده، وأخرج عليها بصاقا ًمن فيه،ولم يزل يضعه بها هكذا إلى نفسه.
قال: فأقحمت على الغلام.
فقال: هذا والله من تعليم القرد، فضحكت.
فلما نزلت عنه، قام إلى القرد، يضربه ويقول: يا فاعل، يا صانع علمته علي.
قال: فلم أزل به حتى خلصته من يده.
القرود والقلانس
وأخبرني بعض من سافر في الآفاق، وهو أبو غانم عبد الملك بن علي السقطي البصري: أنه كان في بعض طرقات اليمن، ومعهم رجل معه قفص فيه قلانس. فأصابتهم سماء، فابتلت القلانس، فأخرجها الرجل، فشرها في الشمس، لما نزلوا.
وإذا بقطعة عظيمة من القرود، قد أحاطوا بالقافلة، فلما رأوا القلانس، وكانت خارجة عن القافلة بالقرب منا، وقفوا ينظرون إليها.
فجاء قرد كبير يقدمهم، فلبس في رأسه واحدة، وأخذ كل واحد منهم واحدة فلبسها إلى أن فنيت القلانس.
فتأملت صاحبها يلطم ويقول: إن مضوا هؤلاء، وهي على رؤوسهم، افتقرت، فإني لا أملك غير هذه القلانس.
فقال أهل القافلة: اجلس، واسكت، ولا تهجهم، فجلس.
فلما كان بعد ساعة، وضع القرد الكبير القلنسوة من رأسه، فوضعوا كلهم القلانس، وانصرف، فتبعوه في الانصراف.
وقام الرجل إلى قلانسه فجمعها.
القرود المستأنسة في اليمن تشتري
الحاجات من السوق
وحدثني أيضاً، قال: رأيت قروداً عدة مستأنسة ببلدان اليمن، القرد منها يخرج بالزنبيل من منزل صاحبه، ومعه الفضة، فيقف على بائع اللحم، والخبز، وغيرها، ويومئ له بما يريد، ويعطيه ثمنه، ويحمل الحاجة إلى منزل صاحبه.
أبو عبد الله المزابلي والروح الأمين
جبريل رسول رب العالمين
وحدثني أبي، قال: كان عندنا بجبل أنطاكية، المعروف بجبل اللكام، رجل يتعبد، يقال له: أبو عبد الله المزابلي. وسمي بذلك، لأنه كان بالليل يدخل إلى البلد، فيتتبع المزابل، فيأخذ ما يجده فيها، فيغسله، ويقات به، لا يعرف قوتاً غير ذلك، وأن يتوغل في جبل اللكام، فيأكل من الأثمار المباحة فيه. وكان صالحاً مجتهداً، إلا أنه كان حشوياً، غير وافر العقل، وكانت له سوق عظيمة في العامة بأنطاكية.
وكان بها موسى بن الزكوري صاحب المجون والسفه في شعره والحماقات وكان له جار يغشى المزابلي.
فجرى بين موسى بن الزكوري، وجاره ذاك شر، فشكاه إلى المزابلي فلعنه المزابلي في دعائه، وكان الناس يقصدونه في كل يوم جمعة غدوة، فيتكلم عليهم ويدعو.
فلما سمعوا لعنه لابن الزكوري، جاء الناس إلى داره أرسالاً لقتله، فهرب، ونهبت داره، وطلبته العامة فاستر.
فلما طال استتاره، قال: إني سأحتال على المزابلي بحيلة أتخلص منه بها، فأعيوني، فقلت: ما تريد؟ فقال: أعطوني ثوباً جديداً، وشيئاً من الند والمسك، ومجمرة، وناراً وغلماناً يؤنسوني الليل في الطريق إلى الجبل.
قال أبي: فأعطيته ذلك كله.
فلما كان في نصف الليل ، مضى، وخرج الغلمان معه إلى الجبل، حتى صعد فوق الكهف الذي يأوي إليه المزابلي، فبخر بالند والمسك، فدخلت الريح إلى كهف أبي عبد الله، وصاح بحلق عظيم: يا أبا عبد الله المزابلي.
فلما شم تلك الرائحة، وسمع الصوت، أنكرهما.
فقال ما لك عافاك الله، ومن أنت؟ فقال ابن الزكوري: أنا الروح الأمين جبريل، رسول رب العالمين، أرسلني إليك.
فلم يشك المزابلي في صدق القول، فأجهش بالبكاء والدعاء، وقال: يا جبريل ، من أنا حتى يرسلك رب العلمين إلي.
فقال:الرحمان يقرؤك السلام، ويقول لك موسى بن الزكوري غداً رفيقك في الجنة.
فصعق أبو عبد الله، وسمع صوت الثياب، وقد كان خرج فرأى بياضها، فتركه موسى ورجع. فلما كان من الغد، كان يوم جمعة، فأقبل المزابلي يخبر الناس برسالة جبريل، ويقول: تمسحوا بابن الزكوري، واسألوه أن يجعلني في حل، واطلبوه لي.
فأقبل العامة أرسالاً إلى دار ابن الزكوري، يطلبونه ليتمسحوا به ويستحلوه للمزابلي، وأمن على نفسه.