فواكله، وشاربه، قدحاً وقدحاً، حتى سكر خمارويه، ثم شرب بعده رطلاً.
فبلغ ذلك خمارويه من غد، فأدخله، وأجازه جائزة عظيمة.
وقال: ما صناعتك؟ فقال: الجوهر.
فقال: لا يبتاع لنا شيء إلا على يده، وكان مشغوفاً به، فكسب فيه الأموال.
وحصل يأكل معه، ويشاربه إذا أراد الشرب، فينام ندماؤه كلهم غيره، فولد ذلك له أنساً تاماً به، فكان يخرج إليه على النبيذ بأسراره، ويحادثه، ويأنس به.
ورد إليه أمر داره، والإشراف على جميع نفقاته.
ولم تزل حاله تقوى وتتزايد، حتى عرض له تزويج ابنته المعتضد، فأنفذه في الرسالة حتى عقد الإملاك، ثم أجرى أمر الجهاز على يده، فجرف الأموال بغير حساب.
قال: فأخبرني بعض أصحابنا، أنه لحق بعض الفرش الذي كان في جهاز قطر الندى ابنة خمارويه، مطر، فيما بين دمشق والرملة، فنزلها ابن الجصاص، وكتب إليه يعرفه الخبر، ويستأذنه في تطرية ذلك، فأذن له فيه.
فأقام شهرين لهذا السبب، وطرى الفرش، فاحتسب في النفقة، ثلاثين ألف دينار.
قال: ولما حصلت قطر الندى ببغداد، أضاق خمارويه إضاقة شديدة، لأنه افتقر بما حمله معها، وخرج من جميع نعمته، حتى طلب شمعة، فاحتبست عليه ساعة، إلى أن احتيلت.
فقال: لعن الله ابن الجصاص، أفقرني في السر.
بين الخليفة المكتفي والتاجر ابن الجصاص
قال: ومن عجيب أخبار ابن الجصاص، أنه طلب منه المكتفي عقداً حسناً من فاخر الجوهر، يبتاعه منه.
فقال: كم يبلغ يا أمير المؤمنين؟ قال: ثلاثين ألف دينار.
قال: لا تصيب كما تريد، ولكن عندي عقد فيه ستون حبة، ولا أبيعك إياه بأقل من ستين ألف دينار، فإن أذنت، حملته.
فقال: افعل.
فحمله إليه والعباس بن الحسن قائم بين يديه، فعرضه عليه، فهال المكتفي أمره وحسنه، وقال: ما رأيت مثل هذا قط.
فقال: ومن أين عندك أنت مثل هذا يا أبا مشكاحل؟ فتنكر المكتفي، وتنمر، وهم به.
فأومأ إليه العباس بالإمساك، فأمسك، وترك العقد الجصاص، بحضرة الخليفة، وخرج.
فقال المكتفي للعباس: بالله، وبحقي عليك، هذه الكنية تلقبني بها العامة؟ فقال: لا والله يا مولانا، ولكن هذا رجل رقيع، عامي، والعامة إذا افتخرت على إنسان، قالت له مثل هذا، وقد ربحت بهذه الكلمة العقد، بلا ثمن، فدعني وابن الجصاص، فإن جاءك فأحله علي.
فلما كان بعد أيام، جاء ابن الجصاص، فأذكر المكتفي بثمن العقد.
فقال له: إلق العباس.
فجاء إليه، فطالبه بالمال.
فقال: ويحك، تطالب بثمن العقد، بعدما لقبت الخليفة بسببه، واجترأت عليه بما لا يجوز أن تجترئ بمثله على بعض غلمانه؟ لا تتكلم بهذا فتولد لنفسك منه، ما لا تحتاج إليه.
فأمسك ابن الجصاص، وذهب منه العقد والمال بالكلمة.
إسماعيل بن بلبل والأعرابي العائف
حدثني أبو الحسين بن عياش، قال: أخبرني من أثق به، إن إسماعيل بن بلبل، لما قصده صاعد، لزم داره، وكان له حمل قد قرب وضعه، فقال: اطلبوا لي منجماً يأخذ مولده، فأتي به.
فقال له بعض من حضر، ما تصنع أيدك الله بالنجوم؟ هاهنا أعرابي عائف، ليس في الدنيا أحذق منه.
فقال: يحضر، فأسماه الرجل، فطلب، وجاء.
فلما دخل عليه، قال له إسماعيل: تدري لأي شيء طلبناك؟ قال: نعم.
قال: ما هو؟ فأدار عينه في الدار، فقال: لتسألني عن حمل، وقد كان إسماعيل أوصى أن لا يعرف، فتعجب من ذلك.
فقال له: فأي شيء هو؟ أذكر أم أنثى؟ فأدار عينه في الدار، فقال: ذكر.
فقال: للمنجم: ما تقول؟ قال: هذا جهل.
فبينا نحن كذلك، إذ طار زنبور على رأس إسماعيل، وغلام يذب عنه، فضرب الزنبور، فقتله. فقام الأعرابي، وقال: قتلت والله المزنر، ووليت مكانه، ولي حق البشارة، وجعل يرقص، وإسماعيل يسكنه، فنحن كذلك إذ وقعت الصيحة بخبر الولادة.
فقال: انظروا ما المولود؟ فقالوا: ذكر.
فسر إسماعيل بذلك سروراً شديداً، لإصابة العائف في زجره، وترجيه الوزارة، وهلاك صاعد، ووهب للأعرابي شيئاً، وصرفه.
فما مضى على هذا إلا دون شهر، حتى استدعى الموفق إسماعيل، وقلده الوزارة،وسلم إليه صاعداً، فكان يعذبه، حتى قتله.
فلما سلم إليه صاعد، ذكر الحديث الأعرابي، فطلبه، فجاءوا به.