من سلك سبيل الانبساط، لم يستوعر مسلكاً في المخاطبة فيما يحسن الانقباض في ذكر مثله، واتصل بي ما كان من أمر الواجبة الحق عليك، المنسوبة بعد نسبتك إليها، إليك، ومن الله صيانتها في اختيارها ما لولا أن الأنفس تتناكره وشرع المروءة يحظره، لكنت في مثله بالرضى أولى، وبالاعتداد بما جدده الله من صيانتها أحرى.
فلا يسخطنك من ذلك، ما رضيه موجب الشرع، وحسنه أدب الديانة، فمباح الله أحق أن يتبع. وإياك أن تكون ممن إذا عدم اختياره سخط اختيار القدر له، والسلام.
حديث العلوية الزمنة
حدثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد، قال: كانت في شارع دار الرقيق، صبية علوية، زمنت نحو خمس عشرة سنة، وكان أبي يتفقدها. وكانت مسجاة لا يمكنها أن تنقلب من جنب إلى جنب، أو يقلبها غيرها، ولا تقعد، أو تقعد، وكان لها من يخدمها في ذلك، وفي الإنجاء والأكل.
وكانت فقيرة، وإنما قوتها مما يبرها الناس، فلما مات أبي اختل أمرها، فبلغ تجني ، جارية أبي محمد المهلبي أمرها، فكانت تقيم بأكثر أمرها.
وإنها أصبحت في يوم من الأيام، وقد باتت في ليلته زمنة على تلك الصورة، فأصبحت من غد، وقد مشت، وبرئت، وقامت وقعدت.
وكنا مجاورين لها، وكنت أرى الناس ينتابون بابها، كالموسم، فأنفذت امرأة من داري صدوقة، ممن شاهدتها زمنة على طول السنين، فسألتها عن الخبر.
فقالت: إني ضجرت من نفسي، فدعوت الله تعالى طولاً بالفرج أو الموت، وبت وأنا على غاية الألم والصياح والقلق، وضجرت المرأة التي كانت تخدمني، فلما استثقلت في النوم، رأيت كأن رجلاً قد دخل علي، فارتعت منه.
فقال: لا تراعي، فأنا أبوك، فظننته علي بن أبي طالب، عليه السلام.
فقلت: يا أمير المؤمنين، ما ترى ما أنا فيه؟ لو دعوت الله تعالى أن يهب لي العافية.
فقال لي الرجل: أنا أبوك محمد رسول الله.
فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي.
قال: فحرك شفتيه، ثم قال لي: هاتي يديك، فأعطيته يدي، فأخذهما، وأجلسني.
ثم قال لي: قومي على اسم الله.
فقلت: يا رسول الله، كيف أقوم؟ فقال: هاتي يديك، فأخذهما، فأقامني.
ثم قال: امشي على اسم الله.
فقلت: كيف امشي؟ فقال: هاتي يديك، فمشاني، ثم جلست، ففعل بي ذلك، ثلاث مرات.
ثم قال لي: قد وهب الله لك العافية، فاحمديه، وتركني، ومضى.
فانتبهت، وأنا لا أشك أ ني أراه، لسرعة انتباهي.
فصحت، فظنت خادمتي أني أريد البول، أو شيئاً مما يثقل عليها، فتثاقلت.
فقلت لها: ويحك ائتيني، فقد رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في النوم، فانتبهت، وأنا مسجاة.
فاستشرحتني.
فقلت لها: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه، فدعا لي في النوم، وقال: قد وهب الله لك العافية.
فقالت لي العجوز: ويحك، فإني أرجو أن تكوني قد برئت من العلة، هاتي يديك، فأقامتني، والله، كما أقامني النبي صلى اله عليه، في النوم، ولم أكن عرفتها ذلك.
فأعطيتها يدي، فأجلستني، وقالت لي: قومي، فقمت، فتعبت، ثم جلست، ففعلت بي ذلك ثلاث مرات.
ثم قمت، فمشيت وحدي.
فصاحت الخادمة سروراً بالحال، وإعظاماً لها، فقدر الجيران أني قد مت، فجاءوا، فقمت فمشيت بحضرتهم متوكئة، فكثروا علي في الليل، وفي غد، حتى كدت أتلف، وما زالت قوتي ترجع إلي،إلى أن مشيت كما أمشي الآن، ولا قلبة بي.
قال: وقد رأيتها بعد ذلك، أنا، تمشي وتجيء إلى عيالنا ماشية، وهي الآن باقية صحيحة، وهي أصلح وأورع وأزهد امرأة سمعت بخبرها في هذا الزمان، لا تعرف غير الصلاة والصيام، وطلب الرزق على أجمل الوجوه، عاتق إلى الآن، دينة جداً.
ولا تعرف إلى الآن في المشاهد، وعند أهلها، إلا بالعلوية الزمنة.
إذا لم تكن في الشاهد ثلاث خلال
من خلال أهل النار صار هو من أهل النار
سمعت قاضي القضاة أبا السائد عتبة بن عبيد الله بن موسى، يقول: الشاهد، إذا لم تكن فيه ثلاث خلال، من خلال أهل النار، صار هو من أهل النار.
فقلت له: ما هي؟ فقال: قلة الحياء، لأن الشاهد، إذا كان مستحياً، أجاب إلى كل محال يسأله، فيذهب دينه، ويصير من أهل النار، والحياء في الأصل من الإيمان، وأهل الإيمان في الجنة، كما روى في الخبر، فقلة الحياء من خصال أهل النار، فهذه واحدة.