ويقمن ربات الخدور حواسراً ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام
ولما خرج داود إلى مكة والياً حم في بعض طريقه، فكان يدعو الله ويقول: يا رب. الثأر ثم النار.
قال عبد الصمد بن علي: كنت عند عبد الله بن علي في عسكره بالشام لما خالف المنصور ودعا إلى نفسه، وكان أبو مسلم بإزائه يقاتله، فاستؤذن لرسول أبي مسلم عليه، فاذن له، فدخل رجلٌ من أهل الشام فقال له: يقول لك الأمير: علام قتالك إياي وأنت تعلم أني أهزمك؟ فقال له: يا بن الزانية، ولم تقاتليني عنه وأنت تعلم أنه يقتلك؟ قال العباس بن محمدل بن علي للرشيد: يا أمير المؤمنين. إنما هو سيفك ودرهمك، فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك.
ولما ضرب عبد الله بن علي أعناق بني أمية قال قائل: هذا والله جهد البلاء فقال عبد الله: ما هذا وشرطة الحجام إلا سواءٌ. إنما جهد البلاء فقرٌ مدقعٌ بعد غنى موسع.
وقال محمد بن علي: كفاك من عم الدين أن تعرف ما لايسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروى الشاهد والمثل.
كتب المنصور إلى صالح بن علي أن يطلب بشر بنعبد الواحد بن سليمان ابن عبد الملك ويقتله. فأتى به إلى صالح، فقال له: قد كان لأبي خالد عندنا بلاء يشكر. قال بشر: فلينفعني ذلك عندك. قال: أما مع كتاب أمير المؤمنين فلا بد من قتلك. ولكني أقدم الساعي بك، فأضرب عنقه بين يديك، وأعطي الذي اشتمل عليك ألف دينار؛ ففعل ذلك ثم قتله.
أوصى العباس بن محمد معم ولده فقال: إني قد كفيتك أعراقه فاكفني آدابهم. اغذهم بالحكمة فإنها ربيع القلوب، وعلمهم النسب والخبر؛ فإنه أفضل علم الملوك، وابدأهم بكتاب الله، فإنه قد خصهم ذكره، وعمهم رشده، وكفى بالمرء جهلاً أن يجهل فضلاً عنه آخذ. وخذهم بالإعراب فإنه مدرجة البيان، وفقههم في الحلال والحرام فإنه حارسٌ من أن يظلموا، ومانع من أن يظلموا.
كان داود بن علي يقول: المعرفة شكرٌ، والحمد نعمةٌ يجب فيها الشكر.
وخطب سليمان بن علي فقال: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالون " . قضاءٌ فصلٌ، وقولٌ مبرمٌ، فالحمد لله الذي صدق عبده، وأنجز وعده، وبعداً للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضاً، والدين هزوا، والفئ إرثا، والقرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا يستهزئون وكأين ترى من بئرٍ معطلةٍ وقصرٍ مشيد، بما قدمت أيديهم، وما الله بظلام للعبيد. أمهلهم حتى اضطهدوا العترة، ونبذوا السنة، " وخاب كل جبارٍ عنيد " ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحدٍ أو تسمع لهم ركزاً " .
وكان أبوهم علي بن عبد الله بن العباس سيداً شريفاً بليغاً، وكان يقال إن له خمسمائة أصل زيتون، يصلى في كل يوم إلى كل أصلٍ منها ركعتين، فكان يدعى ذا الثفنات، وكان عبد الملك بن مروان يكرمه.
وضربه الوليد مرتين بالسوط، إحداهما في تزوجه لبابة بنت عبد الله ابنجعفر، وكانت عند عبد املك فطلقها، وذلك لأنه عض تفاحةً ثم رمى بها إليها - وكان أبخر - فدعت بسكينٍ. فقال لها: ما تصنعين بها؟ فقالت: أميط عنها الأذى، فطلقها، فتزوجها بعده علي، فضربه الويد، وقال: إنما تتزوج أمهات أولاد الخلفاء لتضع منهم كما فعل مروان ابن الحكم بأم خالد بن يزيد بن معاوية.
وأما ضربه إياه في الكرة الثانية فروى عن بعضهم قال: رأيت علياً مضروبا بالسوط يدار به على بعيرٍ، وجهه مما يلي ذنب البعير، وصائحٌ يصيح عليه: هذا علي بن عبد الله بن العباس الكذاب، فأتيته فقلت له: ما هذا الذي سنبونك إليه من الكذب؟ قال: بلغهم قولي إن هذا الأمر سيكون في ولدي. والله ليكونن حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه، الذين كأن وجوههم المجان المطرقة.
وروى أنه دخل على هشام ومعه ابنا ابنه الخليفتان أبو العباس وأبو جعفر، فلما ولى قال هشام: إن هذا الشيخ قد اختل وأسن، وصار يقول: إن هذا الأمر سنتقل إلى ولده، فسمع ذلك عليٌ فالتفت إليه وقال: إي والله، ليكونن ذلك وليملكن هذان.