FluentPlex

Scattered Pearls

نوادر ونكت الفلاسفة

Original text Public domain

Read with the dictionary

فإن دوائر الأسباب ومواقع العلل وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائنين، فإنا جد واجدين لمس الاضطرار إلى حكمتك، غير جاحدين للإقرار بفضلك، والاستتامة إل مشورتك، والاجتباء لرأيك، والاعتقاد لأمرك ونهيت، لما بلونا من جداء ذلك علينا، وذقنا من جنى منفعته، حتى صار ذلك بنخوعه فينا، وترشيحه لعقولنا، كالغذاء لنا، فما ننفك نعول عليه، ونستمد منه، كاستمداد الجداول من البحور، وتحويل الفروع على الأصول، وقوة الأشكال بالأشكال.

وقد كان فيما سبق إلينا من النصر والفلج، وأتيح لنا من الظفر والقهر، وبلغناه من العدو من النكاية، ما يعجز القول عن وصفه، ويقصر الشكر للمنعم على الإنعام به.

وإنه كان من ذلك أنا جاوزنا أرض سرية والجزيرة وبابل إلى أرض فارس، فلما حللنا بعقوة أهلها وساحة بلادهم لم يكن ذلك إلا ريثما أن تلقانا نفر منهم برأس ملكهم هدية إلينا، وطلباً للحظوة عندنا، فأمرنا بصلب من جاء به وشهرته؛ لسوء بلائه، وقلة ارعوائه ووفائه.

ثم أمرنا بجمع من كان هنالك من أبناء ملوكهم وأحرارهم وذوي الشرف منهم، فرأينا رجالاً عظيمة أجسامهم وأحلامهم، حاضرة ألبابهم وأذهانهم، رائعة مناظرهم ومناطقهم، دليلاً ما ظهر من روائهم أن وراءه من قوة أيديهم، وشدة بأسهم وتحديهم، ما لم يكن ليكون لنا معه سبيل إلى غلبتهم، وإعطابهم بأيديهم، لو لا أن القضاء أدالنا منهم، وأظفرنا بهم، وأظهرنا عليهم، ولم نر بعيداً من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم، ونجتث أصلهم، ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم، لنسكن القلوب بذلك إلى الأمن من جرائرهم وبوائقهم، فرأينا ألا نعجل بإسعاف بادي الرأي في قتلهم، دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم، فارفع إلينا مشورتك فيما استشرناك فيه بعد صحته عندك، وتقليبك إياه على نظرك. وسلام أهل السلام فليكن علينا وعليك.

فأجابه أرسطاطاليس: للإسكندر المؤيد بالنصر على الأعداء المهدي الظفر بالملوك من أصغر عبيده وأوضع خوله أرسطاطاليس الخنوع بالسجود، والتذلل في السلام، والإذعان بالطاعة. أما بعد: فإنه لا قوة بالنطق - وإن احتشد الناطق فيه، واجتهد في تثقيف معانيه، وتأليف حروفه - على الإحاطة بأقل ما يناله العذر من بسطة علو الملك، وسمو ارتفاعه عن كل قول، وإيتائه على كل وصف، واغترابه لكل إطناب.

وقد تقرر عندي من مقدمات أعلام فضل الملك في مهلة سبقه، وبروز شأوه، ويمن نقيبته - منذ أدت إلى حاسة بصري صورة شخصه، واضطرب في حس سمعي صوت لفظه ووقع وهمي على تعقب مخارج رأيه، أيام كنت أؤدي إليه من تعليمي إياه - ما أصبحت قاضياً على نفسي بالحاجة إلى تعلمه منه.

ومهما يكن مني إليه في ذلك فإنما هو عقل مردود إلى عقله، مستنبطة أوائله وتواليه من علمه وحكمته، وقد حكى لي كتاب الملك مخاطبته إياي ومسألته لي عما لا يتخالجني الشك في أن لقاح ذلك ونتاجه من عنده صدر، وعليه كان ورد.

وأنا فيما أشير به على الملك - وإن اجتهدت فيه، واحتشدت له، وتجاوزت حد الوسع والطاقة مني في استنظافه - كالعدم مع الوجود، بل كما لا يتجزى في جنب أعظم الأشياء، ولكني غير ممتنع من إجابة الملك إلى ما سأل على يقيني تعظيم غناه عني وشدة فاقتي إليه، وأنا راد إلى الملك ما أفدته منه، ومشير عليه بما أخذته عنه، فقائل له: إن لكل تربة لا محالة قسماً من كل فضيلة، وإن لفارس قسمتها من النجدة والقوة، وإنك إن تقتل أشرافهم تخلّف الوضعاء بأعقابهم، وترث سفلتهم منازل عليتهم، ويغلب أدنياؤهم على مراتب ذوي أخطارهم، ولم يبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم، وأشدتوهيناً لسلطانهم من غلبة السفلة وذل الوجوه، فاحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة والحركة، وإن نجم منهم بعد اليوم على جندك وأهل بلدك ناجم دهمهم منه مالاً روية فيه ولا بقية معه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account