FluentPlex

Scattered Pearls

في الكذب

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وشبيه بهذا ما شهدناه، وهو أنه لما وفد أبو القاسم بن بابك على الصاحب رحمه الله وأنشده مدائحه فيه، طعن عليه بعض الحاضرين وذكر أنه منتحل وأنه ينشد قصائد قد قالها ابن نباته، فأراد الصاحب أن يمتحن، فاقترح عليه أن يقول قصيدة يصف فيها الفيل على ورق عرد فقال أبو القاسم قصيدته المعروفة التي أجاد فيها واستحسنها الصاحب. وقال له: شككت له، خيب الشك، ولام الطاعن على كذبه، وادعائه أنه ينتحل شعر غيره فقال: يا مولانا، هذا والله معه ستون فيلية كلها على هذا الورق لابن نباتة.

وقال المبرد كان بالرقة قاص يكثر الحديث عن بني إسرائيل، فيظن به الكذب، فقال له يوماً الحجاج بن خيثمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل؟ فقال خيثمة عجل فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أي كتب وجدت هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص.

وقال العتبي أنا أصدق في صغيرٍ ما يضرني، ليجوز كذبي في كبيرٍ ينفعني.

وروي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله إنما أوخذ من الذنوب بما ظهر، وأنا استسر بخلال أربع: الزنا، والسرقة وشرب الخمر، والكذب، فأيهن شئت تركت لك، يا رسول الله قال: دع الكذب. فلما ولي عنه هم بالزنا فقال: يسألني رسول الله فإن جحدت نقضت ما جعلت له، وإن أقررت حددت أو رجعت، فلم يزن، ثم هم بالسرقة ثم بشرب الخمر، ثم فكر في مثل ذلك، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه فقال: يا رسول الله، قد أخذت على السبل، قد تركتهن جميعاً.

شهد أعرابي عند معاوية فقال له: كذبت، فقال الأعرابي: الكاذب والله المتزمل في ثيابك، فقال معاوية: هذا جزاء من عجل.

وذكروا أن رجلاً نظر إلى ظبيةٍ، فقال له أعرابي: أتحب أن تكون لك؟ قال: نعم قال: فاعطني أربعة دراهم حتى أردها إليك، ففعل، فخرج يمحص في أثرها فحدق وجد، حتى أخذ بقرنيها، فجاء بها، وهو يقول:

وهي على البعد تلوي خدها

تريغ شدى وأريغ شدها

كيف ترى عدو غلام ردها.

ذكر أنه أضل أعرابي بعيراً له عربياً، وكان في الصائغة، فبينا هو يطوف في طلبه، إذا هو في حجرة الوالي ببختي لنابه صريف، عليه بلمة فتأمله طويلاً، ثم رجع إلى أصحابه فقال: بعيري الذي ضل قد وجدته، فجاء معه نحو من خمس مائة رجل من قومه من حمير إلى الوالي فقالوا: نشهد إنه بعيره، فقال له الوالي: خذه، فلما انصرف قال له بعضهم: يا فلان ألم يكن بعيرك الذي أضللته عربياً.؟ قال: بلى، ولكنه أكل من شعير الأمير فتبخت.

اشترى رجلٌ من الأعراب شاة على أنها تحلب قفيزاً فإذا هي تحلب أقل من ذلك، فقال لأصحابه: تشهدون بي على شاتي هذه أنها تسرق السمع، فأتى بها أبا عطاء فقال: أصلحك الله، إن هذا باعني شاة على أنها تحلب قفيزاً، وامرأته طالق إن لم يكن عوج عندها في الأكل جائع وهذه، وهؤلاء الأربعة يشهدون على ما قلت، فالتفت إليهم فقال: أتشهدون على شهادة محدودة؟ قال أولهم: أشهد أني رأيت هذه الشاة وثبت على شيء طوله أربعون ذراعاً فأكلته حتى بلغت طرفه فقال للثاني: بم تشهد؟ قال: أشهد أني رأيت هذه الشاة وثبت على قدر لرجل من الجيران يطبخ فيها لحم، فأكلت اللحم وحسيت المرق وكسرت القدر، وضربت عظماً برجلها، فشحب القاضي وهو له به، ثم قال للثالث: بم تشهد قال: أشهد إني رأيت هذه الشاة وثبت على جماعة تبول، فأكلت بعضها صحاحاً، وبعضها مقطعاً، فقال أبو عطاء للرابع: لا تشهد بشيء، فإني أخشى أن يشهد أنها أهلكت رجلاً فآخذك بالدية.

وكان ورد على كافي الكفاة أبو الفضل ابن العميد، وقبله شيخ حسن الهيئة والشيبة والشارب والبزة، يرجع إلى فضل كثير، ويفتق في العلوم، ويقول شعراً جيداًُ وكان مشغوفاً بالكذب، وكانت له أوابد، وعجائب، يحدث بها عن نفسه ولا يتحاشى من كبير ولا صغير، مما حكى أنه قال: إني سلكت طريقاً بالروم في شدة البرد، فلما ارتفع النهار سمعنا في الهواء أصواتاً مختلقةً، وكلاماً عالياً، ولم نر أحداً، فإذا قومٌ كانوا سلكوا طريقاً فقطعوا الطريق قبلنا في الليل، وجمدت أصواتهم من شدة البرد في الجو، فلما حمى النهار وطلعت الشمس على الأصوات الجامدة، ذابت، فكنا نسمعها، وواحد يقول: اشدد الرحل، وآخر يقول: اسرج الدابة، وما يجانس ذلك من كلامٍ حفظ عنهم.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا