قَعَدَ صبي مع قوم، فقُدم شيء حارٌّ، فأخذ الصبي يبكي. فقالوا: ما يُبْكيك؟ قال: هو حارٌّ. قالوا: فاصبرُ حتى يبرَدَ. قال: أنتم لا تصبرون.
خرج صبي من بيتِ أمِّه في صَحو، وعاد في مطر شديد، فقالت له أمُّه: فَديتُك ابني هذا المطُر كلهُّ على رأسِك يجيء. قال: لا يامي. كان أكْثُره على الأرض، ولو كان كلُّه على رأسي لَغرقتُ.
وسمع آخر أمَّه تبكي في السَّحرَ، فقال: لِمَ تبكينَ؟ قالتْ: ذكرتُ أباك، فاحترق قلبي. قال الصبيُّ: صدقْتِ. هذا وقتُه.
وجهّ رجل ابنه إلى السوق ليشتري حبلاً للبئر، ويكون عشرين ذراعاً، فانصرف مِنْ بعض الطريق. وقال: يا أبي. في عرْض كَمْ ؟ قال: في عَرْض مصيبتي فيك.
وقال آخر لابنه، وهو في المكتب. في أي سُورة أنت؟ فقال: لا أقِسمُ بهذا البلد، ووالد بلا ولد. فقَال: لعمرْي. مَنْ كنتَ ولدَه فهو بلا ولد.
وقال آخر لابنه: أين بلغْتَ عند المعلِّم؟ فقال: الفرجَ. أراد الفجرَ. فقال الأبُ: أنت بعدُ في حر أمِّك.
قيلَ لبعضهم: إن ابنكَ يناك. فقال لأبنه: ما هذا الذي يُقال؟ قال: كذَبُوا وإنما أنا أنيكهم: فلما كان بعد أيام رآهُ وقد اجتمع عليه عدةٌ من الصبيان ينيكونه، فقال: مِمَّن تعلمتَ هذا النيك؟ قال: مِنْ أمي.
قال ابنُ أبي زيد الحامِض: قال لي أبي: يا بني، ليس واللهِ تُفْلحُ أبداً فقال له: يا أبه!! ليس والله أُحْنِثُك.
جاء صبي إلى أبيه، فقال: يا أبَه. قد وجدتُ فأساً قال: هاته - يا بُني. قال: ليس في رأسه حديدٌ. قال: يا مشئوم!! فقل: وجدتُ وتدا.
الباب الثاني والعشرون
نوادر للعبيد والمماليك
ولي بعض الأمراء مولى بعد غيبة طويلة فقال: أنت في الأحياء بعد فقال: وأنا أستخير أن أموت قبل مولاي الأمير.
قال بعضهم: رأيت في السوق غلاما يُنادي عليه، فقدمتُ واستعرضته فقال: إن أردت أن تشتريني فاعلم أني قد حلفت أن لا أنيك مولاي أبداً حتى ألقى الله، فإذا إنّه المسكين كان مُبلى بصاحب يؤذيه ويستنيكه.
استباع غلام فقيل: لم تستبيع؟ قال: لأن مولاي يُصَلي من قعود وينيكني من قيام ويلحَن إذا قرأ القرآن ويُعرب إذا زنا بي.
قال الدّارمي لغلامه: بأبي أنت وأمي لو كان العِتق مثل الطّلاق لسَررتُك بواحدة.
اعترض بعضهم غلاماً أراد شراءه فقال يا غلام: إن أشتريتك تُفلح؟ فقال: فإن لم تشتر.
قال أبو العيناء: أشتُرى للواثق عبدٌ فصيحٌ من البادية، فأتيناه وجعلنا نكتب عنه كلّ ما يقول، فلما رأى ذلك مِنّا قلّب طرفه وقال: إنّ تراب قعرها لملتْهب.
يقال ذلك للرجُل يُسَر الناس برؤيته لانتفاعهم به وأصل ذلك: أنّ الحافر يحفر فإن خرج التّراب مُرّا علم أنّ الماء مِلح وإن كان طيّباً علم أنّ الماء عذب فأنبط وإذا خرج طيّباً انتبه الصبيان.
اشترى بعضُ الهاشميّين غلاماً فصيحاً فبلغ الرشيد خبره، فأرسل إليه يطلبه. فقال يا أمير المؤمنين: لم أشتره إلا لك، فلمّا وقف الغلام بين يدي الرّشيد قال له: إنّ مولاك قد وهبك لي. فقال الغلام: يا أمير المؤمنين ما زِلْتُ ولا زُلْتُ.
قال: فَسِّر. فقال: ما زِلتُ لك وأنا في مِلكه ولا زُلتُ عن مِلكه، فأُعجب الرّشيد به وقدّمه.
قال أبو العيناء: مررت بسُوق النخّاسين بالبصرة، فإذا غلام يُنادي عليه ثلاثين ديناراً والغلام يُساوي خمسمائة دينار، فاشتريته وكنت أبني داراً فدفعت إليه عشرين ديناراً على أن يُنفقها، فلم أزل أصك عليه حتى أنفق نحو العشرة. ثم صككت بشيء آخر. فقال لي: فأين أصل المال؟ قلتك ارفع إلي حِسَابك، فرفع حِسَاباً بعشرة دنانير. فقلت: فأَين الباقي؟ قال: اشتريت ثوباً مصمتاً وقطعته. قلت: من أمرك بهذا؟