ولما أخرجت جنازةُ الصريميةِ المغنّيةِ كان أشعبُ جالساً في نفر من قُريش، فبكى عليها، وقال: اليومَ ذهبَ الغِناءُ كلهُّ. وترحَّمَ عليها، ثُم مَسحَ عيْنَيهِ، والتفتَ إلهيمْ، وقال: وعلى ذلكَ فقد كانتْ الزانِيةُ شرَّ خلْق الله فضحكوا، وقالوا: يا أشعبُ، ليس بين بُكائِكَ عليْها، وبين لغْنِك إياها فرقٌ. قال: نعم كنا نحبوها الفاجرَة بكَبْش إذا أردْنَا أن نزورَها فتطبخ لنا في دارها ثم لا تُعشينا - يشهد الله - إلا بسلق.
وجاز به يوما سبطٌ لابن سُريج وهو جالس في فتية من قريش، فوثب إليه، وحمله على كتفه، وجعلَ يُرقْصُه ويقولُ: فُديتَ من ولَد علي عُودٍ، واستهل بغناء، وحُنِّك. بحلْوى، وقطعت سرتُه بزير وخُتِنَ بمِضْراب.
وتَبع مرةً امرأةً فقالت له: وما تصنَعُ بي ولي زوجٌ؟ قال: فتسري بين فديتك.
وقيلَ له: هل رأيتَ أطْمعَ منك؟ قال: نعمْ: كَلْب أمِّ حومل، تبعني فَرسخيْن، وأنا أمضُع كُنْدراً. ولقد حسدْتُه على ذلك.
وخفَّفَ الصلاة مرةً، فقال له بعضُ أهل المسجد: خفَفتَ الصلاةَ جداً!! قال: لأنه لم يُخالطْها رياءٌ.
وقال له رجل: ضَاعَ معْروفي عندَك. قال: لأنه جاءَ من غير محْتسب ثم وقَعَ عند غير شاكر.
قيل له: هل رأيتَ أحداً أطمعَ منك؟ قال: نعمْ. خَرجْتُ إلى الشام مع رفيق لي، فنزلنا بعض الديارات، فتلاحَيْنَا. فقلتُ: أير هذا الراهب في حر أم الكاذب. فلم نشعر إلا بالراهب قط اطلع عليْنَا، وقد أنعظ وهو يقول: أيُّكم الكَاذِبُ؟ ودخل يوماً إلى بعض الرؤساء - وهو يَحْتَجم فقال له أشعبك حَجمَك بنُوك.
كان أشعب عند الحسن بن الحسن بن علي عليهم السلام، فدخل عليهم أعرابي مشعث اللِّمة، قبيح الخلقة متنكِّباً قوساً. فقال أشعبُ للحسن: تأذنُ أنْ أسْلحَ عليه فسمعه الأعرابي، فوضع سهماً في كبير قوسه، وفوقه نحو أشعب وقال: لَئِن فَعلت ليكونَنَّ آخِر سلْح تسْلحه أبداً فقال أشعب للحسن: يا سيدي. أخذني والله القولنج.
قال رجل لأشْعبَ - وكان صديقَ أبيه - : يا بني. كان أبوك عظيمَ اللحية، فمنْ أشبهتَ أنت؟ قال: أشبهتُ أمي.
الباب التاسع عشر
نوادر السُّؤَّال
قال بعضهم: رأيتُ سائلاً ببغداد في الزياتين - وهم أنصَب منْ في الأرض - يسأل، ويقول: تَصَدقوا على حُبَّا وكرامةً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وليس يلتفتُ إليه أحد، ولا يُعطيهِ شيئاً. فدفعتُ إليه درهماً، وقلتُ في نَفْسي: إن هذا المسكين لا يعرفُ هؤلاء وبُعْضهم لعلي - عليه السلام - فأخذ الدرهمَ مني، وقال: يا صاحب الصدقَةِ، إنْ كنتَ تصدقتَ بها على وفي قلبك بُغْضٌ لأبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وفلانٍ، وفلانٍ ومعاويةَ خَالِ المؤمنين رديفِ المصْطفى، وكاتب الوحي فقطع اللهُ يديكَ ورجلَيْك وأعْمى عَيْنيكَ.
قال: فأخذتُه الدراهمُ مِنْ كل جانبٍ، وبقيتُ أنا متحيراً. ثُمَّ مضى فلحظتُه. فَعلِم ما في قلبي. فقال: يا فَتى. على رسْلكَ!! عِنْدك أن هؤلاء القَرانِنةَ لا يصَّدَّقون على إلا بمثْل هذِه الحيلةِ.
جاء سائلٌ إلى قوم فسألهم، فَردَّوا عليه، وألحَّ عليهم فردَّوا. فألحَّ، فخرجَ إليه بعضُهم فقال: عَافَاك اللهُ. أمَا سمعتَ الرَّدَّ؟ قال: ولكنكم غَممتْمُوني فأردتُ أنْ أغمّكم يا قَرانِنةُ.
وقف سائلٌ على قوم، فقال بعضُهم: يضاعتُنا واحدةٌ. فقال السائلُ: أنا أقود علي أمي.
أعطي سائلٌ كسرةً صغيرة. فقال: رحم الله من تممها لُقمةٌ.
قال بعضهم: رأيتُ ببغداد مكفوفاً: من أعطاني حَبّةً سقاهُ اللهُ من الحوض على يد معاويةً. فتبعتُه حتى خَلوتُ به، ولطمْتُه، وقلتُ: يا كذا عَزلتَ أميرَ المؤمنين عن الحْوض. فقال: أردْتَ أنْ أسْقَيهُمْ بحبة على يد أمير المؤمنين علي عليه السلام؟؟ لا، ولا كرامةَ.
سأل أبو فرعون رجلاً، فمنعهُ. فألحَّ عليْه فأعطاه فقال: اللهم أخْرنَا وإيَّاهُمْ. نسْألهم إلحافاً، ويعطوننا كُرهاً، فلا يُبَاركُ اللهُ لنا فيها، ولا يأْجرهُم عليها.
وقف سائل على باب، فقال: يأهَل الدار. فبادر صاحبُ الدار قبلَ أن يُتم السائلُ كلامه، وقال: صنَع اللهُ لك. فقال السائل: يا بنَ البَظْراء. كنتَ تصبر حتى تسمع كلامي عسى جئتُ أدعوك إلى دَعوة.
وقف أعرابي سائل على بابٍ، وسأل. فأجابه رجلٌ: ليس ها هُنا أحدٌ قال: إنَّك لاحدٌ لوْ جعل اللهُ فيك بَرَكةً.