فقال بسكره: هارونُ لا ينصرفُ. فسمع الموفَّق فقال: هارون لا ينصرفُ فتركه راشدٌ فلما أصبح الموفقُ وقف عَلَى أن هارون بات فِي مَضرَبه. فقال: يَا راشِدٌ أيبيتُ فِي مضربي رجلٌ لا أعلم بِهِ؟ فقال: أنت أمَرْتني بهذا، قلتَ: هارونُ لا ينصرف. فقال: إنَّا لله - وضحك - أردْتُ الإعراب وظننت أنت غيْرهُ.
يقال: إن يزيدَ بن المهلَّب كَانَ فصيحاً لَمْ يُؤخذ عليْه زلةٌ فِي لفظ إلا واحدةً، إنه قال عَلَى المِنبر - وذكرَ عبد الحميدِ بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب فقال - : وهذه الضبُعةُ العرْجاءُ. فاعتْدَّت عَلَيْهِ لحْناً، لأن الأنثى إنَّما يُقالُ لَهَا الضَّبعُ، ويقال للذكر الضبعَانُ.
قيل: كَانَ خالد بن صفوان يدخُلُ عَلَى بلال بن أبي بُردة يحدَّثُه، فيلحنُ. فلما كثُر ذَلِكَ عَلَى بلا قال لهُ: أتحدثني أحاديث الخلفاء، وتلحنُ لحن الستات. وَكَانَ خالدٌ بعْد ذَلِكَ يأتي المسجدَ ويتعلَّمُ الإعراب.
كان الشِّيْرَجّيُ إماماً من أئمة الحنبلية، اجتاز بمسجد فِيهِ معْزّي فخرج عَلَيْهِ منه نحْوي بِغيضٌ. فقال لَهُ الشيرجي: من المُتوفي؟ فقال النحوي: الله نبيه. وقال زنديقٌ: واللهُ رفعهُ إلى الحَشر.
قرأ الوليد بنُ عبد الملك يوماً عَلَى المنبر: " يَا ليتَها كَانَتْ القاضية " فقال عمر بن عبد العزيز: عَلَيْكَ.
سُئِل نحْوي عن تصغير عُبَيْد الله. فقال: ليسَ فِي سجدتي السَّهو سَهوٌ.
وذُكر أنَّ مُعاوية قال: كَيْفَ أبو زيادٍ؟ فقالوا: ظريفٌ عَلَى أنه يلحنُ.
فقال: أو ليسَ ذَاكَ أظرف لَهُ؟ أرادوا اللَّحن الَّذِي هو الخطأ. وذهب معاويةُ إلى اللَّحن الَّذِي هو الفطنةُ.
قالوا: كَانَ سبب عَمل أبي الأسود الدؤلي النَّحو هو أول من وضعهُ، وقيل إن أميرَ المؤمنين علياً عَلَيْهِ السلام جعل لَهُ مِثالاً فبنى عَلَيْهِ واحْتذاه أن أبا الأسود سمع رجلاً يقرأ: " إن الله بريءٌ مِن المشركين ورسولُه " بالخفض. وسمع ابنته تقول: مَا أطيبُ الرُّطب؟ وهي تُريد التَّعجب، وظن أنها تريد الاستفهام، فعمل شيئاً من النَّحو، وغرضهُ عَلَى أمير المؤمنين عَلَيْهِ السلام. فقال: مَا أحسنَ هَذَا النحو الَّذِي أخذتَ فِيهِ. فُسمي نحْواً.
مر الشعبي بناس من الموالي يتذاكرون النَّحو، فقال: لئن أصْلحتموه إنِّكُم لأوّلُ من أفسدَه.
وروى أن الحجاج قرأ: إنا من المجرمون مُنتقمون.
وكان محمد بن سليمان يقول فِي خُطبته: إن الله وملائكتهُ برفع الملائكة فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ. قال فخرجُوا لَهَا وَجهاً، وَلَمْ يدَعِ الرَّفع.
قال بعضهم: قلتُ لواحد مِن أين جئت؟ قال: مِن عند أهلُونا. قال: فقلتُ لَهُ: قل: أهلينا. قال: سبحان الله نعْدِل عن قول الله تعالى " شغلتنا أموالُنا وأهلونا " قدم العُريانُ بنُ الهيثم عَلَى عبد الملك، فقيل لَهُ: تحفَّظْ من مَسْلمةَ فإنه يقول: لأن يُلقمني رجلٌ حجراً أحبُّ إلي مِن أن يُسْمعني لحْناً. فأتُاه العُريانُ ذات يوم، فسلَّم عليْهِ. فقال لَهُ مَسْلمةُ: كمْ عطاءك؟ فقال العُريان ألْفين. فقال: كمْ عطاؤك؟ قال: ألفان. فقال: مَا الَّذِي دعاك إلى اللَّحن الأول؟ فقال: لحنَ الأمير، فكرهتُ أن أعرِب، وأعْرَب فأعرَبتُ. فاسْتحسَن قوله، وزاد عطاءه.
قال رجلٌ لآخر: مَا فعل فُلان بحماره؟ قال: أنا بسرت بالباء. قال: وأنا أيضاً بسرتُ بالباء.
وقال أعرابي: كنتُ أظن أبا المهاجر رجلاً صالحاً، فإذا هو يلحنُ.
قال يونسُ: كُنا ننظُر إلى الشباب فِي المسجدِ الجامع بالبصرة يخطرْ بَيْنَ السواري. فنقول: إما أن يكون قرشياً أو نحُوياً.
قيل لبعض النحويين: مَا تقول فيمن سَها فِي سَجْدَني السَّهو؟ فقال: لَيْسَ للتصغير تصغيرٌ.
الباب الرابع عشر
نوادر المخنثين
قال بعضُهم: شهدتُ مجْلسا فِيهِ قينةٌ تغني، فذهبت تتكلف صيحة شديدة فانقطعت. فصاحت من الخجل: اللصوصَ اللصوصَ. فقال لَهَا مُخنَّثاً كَانَ فِي المجلس: والله يَا زانيةُ مَا سُرق من البيت شيءُ غيرُ حَلقِك.
استوهب رجلٌ من مخنَّث فِي الحمَّام خطمياً، فمنعَه. فقال: سُبحان الله!! تمنعني الخطمي وقفيزٌ منه بدرهم؟؟ فقال المخنُّثُ: فاحسبُ حِسابك أنت عَلَى أربعة أقفزة بدرهم، كم يصيبك بلا شيء؟