وإنْ آتت امرأ من غضارتها ورقاً أرهقته من نوائبها تعباً. ولم يْمس منها امرؤ في جنَاح أمنٍ إلا أصبحَ مِنْها على قوادمِ خوف. غرّارةٌ غرورٌ ما فيها، فانيةٌ فإن من عليها لا خيرَ في شيء من زاد منها إلا التقوى. من أقل منها استكثرَ مما يؤمنهُ، ومن استكثر منهَا استكْثَر مِما يُوبقُه ويطيل حُزنه، ويبكي عينَه، كم واثقٍ بها فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعتْه، وذي احتيال فيها قد خدعته، وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيراً، وذي نخوة قد ردْتهُ ذليلاً، ومن ذي تاج قد كبتْه لليدين، وللفَم.
سلطانُها دُوَلٌ، وعيشُها رنَق وعذبها أجَاجٌ وحُلوُها صَبرٌ، وغذاؤها سِمامٌ، وأسْبابها رِمامٌ، وقطافُها سَلَع، حيُّها بعَرَضِ موت، صحيحُها بعَرَضِ سقم، منيعُها بِعَرضِ اهتضَام. مليكُها مسلُوب، وعزيزُها مغْلوبٌ، وسليمُها منكُوب، وجارها محروبٌ، مع أنَّ وراء ذلك سكراتِ الموت، وهولَ المطلعِ، والوقوفَ بين يدي الحكم العدل " ليجزي الذين أساءْوا بِما عَملوا ويجزي الذينَ أحْسنُوا بالحُسْنى " .
ألستُم في مساكن من كان قَبْلكم أطولَ أعْمارً، وأوضح منكُم آثاراً، وأعد عديداً، وأكثفَ جُنوداً، وأشدَّ عُنوداً.
تُعبِّدوُا للدنيا أي تعبُّد، وآثَرُوها أي إيثار، وظعَنُوا عنها بالكُره والصغَار فهل بلَغكُم أنَّ الدنيا سمحَتْ لهم نفْساً بِفدْية، أو أغْنَتْ عنهم فيما قد أهلكتْهُم بخَطْب؟ بل قدْ أرهقتْهُم بالفوادح، وضَعْضَعْتهُمُ بالنوائب، وعقرتهُم بالفجائع. وقد رأيتُم تنكُّرَها لمنْ دَانَ لها، وآثَرها وأخْلَدَ إليها حين ظَغنُوا عنها لفراقِ الأبَد إلى آخرِ المُسْند.
هل زودتَهْمُ إلا السغَب، وأحلَّتهم إلا الضّنْكَ، أوْ نورت لَهم إلا الظُّلمةَ أو أعقُبتْهم إلا الندامة؟ أفهذه تُؤثرون أمْ علي هذه تَحْرِصُون؟ أم إليها تطمئنون؟ يقولَ الله عز وجل: " مَنْ كان يُريد الحياةَ الدنيا وزِينتَها نُوَفِّ إليهم أعْمالهم فيها وهم فيها لا يُبْخَسُون " فبئستْ الدارُ لمنْ أقامَ فيها فاعلُموا - وأنتم تعلمون - أنكم تَارِكُوها لا بُدَّ، فإنما هي كما وصفَها اللهُ باللعب، واللهو. وقد قال الله تعالى: " أتبنْون بكُلِّ ريع أيةً تَعْبَثُون وتتَّخذُونَ مصانعَ لعلكم تَخْلُدون وإذا بطشتُم بطَشتُم جبارين " .
ذكر الذين قالوا: " من أشدُّ منا قوةً " ثم قال: حُملُوا إلى قُبورهم فَلا يُدعَون رُكْباناً، وأنْزِلوا فلا يُدعَوْنَ ضيفَاناً، وجعل الله لهم من الضريح أجْناناً، ومن الترابِ أكْفاناً، ومن الرفُّات جِيراناً، وهم جِيرةٌ لا يُجِيبون داعياً، ولا يمنعُون ضَيماً. إن خَصبوا لم يَفْرحُوا، وإن قَحطوا لم يقُنطوا. جَميعٌ وهم آحاد، جِيرةٌ وهم أبْعادٌ، مُتَناءْون لا يزورُون ولا يُزَارُون.
حُلماءُ قد ذهبتْ أضْغانُهم، وجُهلاءُ قد ماتتْ أحقادهُمْ، لا يُخشى فجْعهُمُ، ولا يُرْجَى دَفْعُهمُ، وكما قال الله تعالى: " فتلْكَ مساكُنهم لم تُسْكَنْ منْ بعْدِهِم إلا قليلاً وكُنَّا نحنُ الوارِثين " .
واستبدلَوا بظَهْرِ الأرض بطْناً، وبالسَّعة ضِيقاًُ، وبالأهل غُربةً، وبالنور ظُلمة، ففَّارَقُوها كما جاءُوها حُفاةً، عراةً، فُرادى، غيرَ أنْ ظعنُوا بأعمالهم إلى الحياد الدائمة، وإلى خلود الأبَد، يقولُ الله تبارك وتعالى: " كما بدأنا أول خلق نُعيدُه وعداً علينا إنا كُنَّا فَاعِلينَ " .
فاحذَروا ما حذَّركُم الله، وانتفعُوا بمواعظه، واعتصمُوا بحَبْله. عَصَمنا اللهُ وإياكم بطاعته، ورزَقنا إياكُم أداءَ حقِّه.
قالوا: لما أخذ أبو بيهس الخارجي، وقُطِعتَ يداهُ، ورِجْلاهٌ، تُرك يتمرغُ في الترابِ. فلما أصْبح قال: هل أحدٌ يُفْرِغُ على دَلْوين؟ فإني احتلمتُ في هذه الليلةِ. هذا إن كان صَادقاً فهو عجيبٌ، وإنْ كان قالهُ استهانةً بمَنْ فَعلَ ذلك فهو أعجبُ.
قال بعضُهم: سمعتُ أبا بلال في جنازة وهو يقولُ: ألا كلُّ ميتةٍ ظنُونٌ إلا ميتةَ الشجاء. قالوا: وما ميْتةُ الشجاء؟ قالَ: امرأةٌ أخذها زيادٌ فقطعَ يديْها، ورجليها، فقيل لها: كيف تريْنَ يا شجَاءُ؟ قالتْ: قد شَغلني هولُ المطَّلَع عن بَرْدِ حَدِيدكم.
قال الحجاج لامرأة من الخوارج: اقرئي شيئاً من القرآن. فقالتْ: " إذا جاء نَصْر الله والفتْحُ، ورأيتَ الناسَ " " يخرجونَ فقَالَ: ويحك يدخُلُون.