كان سُفْيانُ بنُ عُييْنةَ إذا يُشِّر بمَوْلُود مِن العلّوَيةِ أعطى بشَارةً، وإذا نُعى إليْه واحدٌ جلَسَ للتعزيةِ. فقِيلَ لهُ في ذلكَ. فقالَ: يذهبُ أمانٌ، ويزيدُ أمانٌ، همْ أمانُ أهْل الأرْض مِن العذاب. سمعْتُ عمْرَو بن ديِنار عن ابن عباس أنَّ رسولَ الله صلى الله عليهَ. قال: النجُومُ أمانٌ لأهْل السِّماء، وأهلُ بيتي أمانٌ لأْمتي.
قال عبد اللهِ بنُ عباس المخزومي: قلتُ: يا عمُّ، حدثني عما كان من صفو الناس معَ علي وإنما هو غُلامٌ منْ قريش، ولأبي بكْر مِن السابقةِ ما قدْ عَلمتَ، قَالَ: إن علياً كانَ ما شئْتَ من ضرس قاطع، والسلطةِ في العشيرة، والقدم في الإسْلام، والصِّهر لِرَسُول الله صلى الله عليه، والعِلْم بالقُرآن، والفقْه في السُّنَّة، والنَّجدة في الحرْب، والجُودِ بالماعُون.
دخَلَ أبوْ الطفيْل عامرُ بنُ وائلة الكنانيُّ على معاويةَ فقالَ لهُ: أْنتَ مِنْ قَتله عُثْمانَ؟ قالَ: لا. ولكنني مِمنْ حضَرهُ فلم يَنْصرْهُ. قالَ: ومَا منعَكَ منْ نَصْره؟ قَالَ: لمْ ينصرْهُ المُهَاجروُنَ والأنْصارُ. قالَ معاويةُ: لقد كان حقهُ واجباً، وكان يجبُ عليهمْ أنْ ينصروهُ. قال: فَمَا منَعَكَ منْ نُصْرتَه يَا أميرَ المؤْمنينَ ومَعكَ أهْلُ الشَّام؟ قالَ: أومَا طَلَبي بدمِهِ نصرةٌ لهُ؟ فضَحكَ عامِرٌ فقال: أنْتَ والله وعثمان كقولِهِ: لأعْرفنَّكَ بعْدَ الموتِ تندُوبُني وفي حياتي ما زَوَّدْتَني زادي فقال لهُ معاويةُ: دَعْ هذا عنْكَ، وقُلْ لي: ما بقَّاهُ الدهر مِنْ ثُكْلِكَ على علي ابنْ أبي طالب فقالَ: ثُكْلُ العجوز المِقْلاتِ، والشَّيخ الرَّقوبِ قالَ: فكيْفَ حبُّكَ لَهُ؟ فقالَ: حُبُّ أمِّ مُوسى لموسَى، وإلى الله أشْكُو التَّقْصيرَ.
الباب الحادي عشر
كلام الخوارج
من كلام أبي حمزةَ: تَقْوى اللهِ أكرمُ سَريرة، وأفضلُ ذَخِيرة، مِنْها ثقَةُ الوَاثق، وعليْها مِقَةُ الوَامِق. ليعمَل أمرؤ فِي فكَاك نَفْسِهِ وهو رخي اللبَب، طويلُ السَبَب، وليعْرفَ مَمدَّ يَدِه، ومَوضِعَ قَدَمِهِ، وليَحْذَر الزَّلَلَ والعلَ التي تقْطَعُ عَنِ العمَل. رحِمَ اللهُ عبداً آثَرَ التَّقْوىَ، واستشْعرَ وشعارَها واجتنىَ ثمارها. باعَ دَارَ النفدِ بدار الأبَدِ. الدُّنْيا كروْضَة اعتمَّ مَرْعَاهَا، وأعْجَبتْ مَنْ يَراهَا، تمجُّ عروقُها الثرى، وتنظفُ فروعها الندي، حتى إذا بلغَ العُشْب إناهُ، وانْتَهى الزبرج منتهاه، ضعفَ العُمودُ، وذوي العُودُ، وتولي مِن الزَّمان مالا يُعود، فَحنَتِ الرياحُ الورقَ، وفرقتْ مَا أتسقَ، فأصبحَ هشيماً تذروهُ الرياحُ وكان اللهُ على كل شيء مُقْتَدِراً.
كان شبيب يقُولُ: الليلُ يكْفيكَ الجَبَانَ ونِصْفَ الشُّجَاع.
أتى الحجاجُ بامْرَأة مِنْ الخَوارج، فقالَ لِمنْ حَضَر: ما تروْنَ فِيها؟ قالُوا: اقْتُلْها. فقالَتْ: جُلُساءُ أخيكَ خيرٌ مِنْ جُلسائكَ: قال: مَنْ أخي؟ قالتْ: فِرْعُونُ: لما شاورَ جُلساءهُ في موسى " قالوا أرْجِهُ وأخَاهُ وأبعثْ في المدَائِنِ حاشرين " فأمَرَ بقَتْلِهَا.
مرَّ رجلٌ من الخوارج بدار تُبنى، فقال: مَنْ هذا الذي يُقيم كفيلاً؟ أخذ ابنُ زياد بنَ أديَّةَ: أخَا أبي بلال، فقطعه يديه، ورجليه، وصلبه على بابِ دارِه فقال لأهله وهو مصْلوبٌ: انظروا إلى هؤلاء الموكَّلين بي فأحسِنُوا إليهم فإنهم أضيافكم.
أني عتابُ بن وَرْقَاء بامرأة من الخوارج فقال لها: يا عدوةَ الله، ما دعاكِ إلى الخروج؟ أمَا سمعتِ الله تعالى يقول:
كُتِبَ القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جرُّ الذيول
قالت: يا عدو الله، أخرجني قلةُ معرفتك بكتاب الله.
كان الجنيد بن عبد الرحمن يلي خراسان في أيام هشام، فظفر بصبيح الخارجي، وبِعده، مِن أصحابه، فقتلهُم جميعاً، غيرَ رجل أعمى كان فيهم. فقال له الأعمى: أنا أدلُّك على أصحاب صبيح، وأجازيك بما صنعتَ، فكتب له قُوماً. فكان الجنيد يقتلهم حتى قتل مائةً. فقال له الأعمى عند ذلك: لعنكم الله. تزعُم أنه يحلُّ لك دمي. وأني ضالَ. ثم تَقبلُ قولي في مائة فتقتلهم. لا - والله - ما كتبتُ لك من أصحاب صبيح رجلاً وما هُمْ إلا منكم فقدَّمه، وقتله.