وقال: كل عمل كرهت من أجله الموت فاتركه، ثم لا يضرك متى مت.
وقال رضي الله عنه: إذا توجه أحدكم في الوجه ثلاث مرات، فلم ير خيراً فليدعه.
وخطب رضي الله عنه فقال: أيها الناس، ما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سيزول؟ وإنما الشيء من أصله، وقد مضت قبلنا أصول، ونحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد اصله؟ إنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتضل المنايا فيهم وهم نصب المصائب، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص. لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل معمر من عمر يوماً إلا بهدم آخر من أجله، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، فأين المهرب مما هو كائن؟ وإنما يتقلب الهارب في قدره الطالب، فما أصغر المصيبة اليوم مع عظم الفائدة غداً! أو أكثر خيبة الخائب! جعلنا الله وإياكم من المتقين.
قال الجاحظ: روى الزهري أن عمر رضي الله عنه نظر إلى أهل الشورى جلوساً فقال: أكلكم يطمع في الخلافة بعدي؟ فوجموا، فقال لهم ثانية، فأجابه الزبير فقال: نعم، وما الذي يبعدنا عنها وقد وليتها فقمت بها. ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة، ولا في القرابة؟ فقال عمر رضي الله عنه: ألا أخبركم عن أنفسكم؟ قالوا: بلى، فإنا لو استعفيناك ما أعفيتنا. فقال عمر رضي الله عنه: أما أنت يا زبير فوعقة لقس، مؤمن الرضا، كافر الغضب، يوم إنس، ويوم شيطان، ولعلها إن أفضت إليك لظلت يومك تلاطم في البطحاء على مد من شعير. أفرأيت إن أفضت إليك فمن يكون على الناس يوم تكون شيطاناً، ومن يكون - إذا غضبت - إماماً؟. ما كان الله ليجمع لك أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنت في هذه الصفة.
ثم أقبل على طلحة فقال: أقول أم أسكت؟ قال: قل، فإنك لا تقول لي من الخير شيئاً. قال: ما أعرفك منذ ذهبت إصبعك يوم أحد من البأو الذي أحدثت. ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخطاً للذي قلت يوم نزلت آية الحجاب أفأقول أم أسكت؟ قال: بالله اسكت.
ثم أقبل على سعد، فقال: إنما أنت صاحب قنص وقوس واسهم ومقنب من هذه المقانب، وما أنت وزهرة والخلافة وأمور الناس؟.
ثم أقبل على علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: لله أنت لولا دعابة فيك. اما والله لو وليتهم لحملتهم على المحجة البيضاء، والحق الواضح، ولن يفعلوا.
ثم قال: وأنت يا عبد الرحمن لو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجحت، ولكن فيك ضعفاً، ولا يصلح هذا الأمر لم ضعف مثل ضعفك. وما زهرة وهذا الأمر؟.
ثم أقبل على عثمان فقال: هيهاً إليك، كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إياك، فحملت بني أمية وبني معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً. والله لئن فعلوا لتفعلن، ولئن فعلت ليفعلن. ثم أخذ بناصيته فناجاه، ثم قال: إذا كان ذاك فاذكر قولي هذا، فإنه كائن.
وقال عمر رضي الله عنه للأحنف: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر مزاحه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قلّ ورعه، ومن قل ورعه ذهب حياؤه، ومن ذهب حياؤه مات قلبه.
وكتب إلى أبي موسى: أما بعد؛ فإن للناس نفرة عن سلطانهم، فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء مجهولة، وضغائن محمولة، وأهواء متبعة، ودنيا مؤثرة؛ فأقم الحدود ولو ساعة من نهار، فإن عرض لك أمران: أحدهما لله، والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الآخرة، فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وكن من خشية الله على وجل، وأخف الفساق، واجعلهم يداً يداً ورجلاً رجلاً.
وإذا كانت بين القبائل نائرة، ودعوا: يا لفلان، فإنما تلك النجوى من الشيطان، فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى الله، وتكون دعواهم إلى الله وإلى الإسلام.
وقد بلغ أمير المؤمنين أن ضبة تدعو: بالضبة، وإني والله ما أعلم أن ضبة ساق الله بها خيراً قط، ولا منع بها شراً قط. فإذا جاءك كتابي هذا فأنهكهم عقوبة، حتى يفرقوا إن لم يفقهوا. والصق بغيلان بن خرشة من بينهم.
وعد مرضى المسلمين، واشهد جنائزهم؛ وافتح بابك، وباشر أمرهم بنفسك، فإنما أنت رجل منهم، غير أن الله جعلك أثقلهم حملا.