ولما أراد أن يدخل بالعباسة شاور كاتبه حماداً في اللباس الذي يلبسه في كل يوم، فأشار عليه بألا يتصنع، ويقتصر على ما كان يلبسه في كل يوم، فلم يقبل منه، وعمد إلى ثياب دبيقية كأنها غرقى البيض فلبسها، فرأتها عليه، فلما كان الغد دخل عليها وإذا هي في دارٍ قد فرشت بالدبيقى الذي يشابه ما لبس أو يزيد عليه، فعلم أن كاتبه كان قد نصحه وتمثل:
أمرتكم أمري بمنعرج اللوى ... فلم تستبينوا الرش إلا ضحى الغد
وكان يتصدق في كل سنةٍ بخمسائة ألف درهمٍ، ويوم الفطر بمائة ألف وفي كل يوم بكرين من الدقيق.
ولم يكن له ولدٌ إلا بنتٌ واحدة، وماتت قبله، فذكر أنه قال: أشتهى والله أن يصفو لي يومٌ لا يعارض سروري فيه هم.
وكان جعفر أخوه يقول: لا تمتحن هذا فقل من امتحنه إلا امتحن فيه. فجلس يوما وأحضر جميع من يحب حضوره، فبينا هو على أتم أمرٍن وأسر حالٍ إذ سمع صراخا، فسأل عنه، فكتم، فألح، فعرف أن ابنته - ولا ولد له غيرها - صعدت درجةً فسقطت منها فماتت. فلم يف سروره صدر نهاره بما عقب من غمه؛ فكان يقول كثيرا:
تفردت بالكمال ... وبالعز والجلال
وملكٍ بلا نفادٍ ... نراه ولا زوال.
وشبيه بهذا ما اتفق على يزيد بن عبد الملك فإنه أحب أن يخلص له يومٌ بأن تطوى عنه الأخبار، وأجلس حبابة عن يمينه، وسلامة عن يساره، يشرب وتغنيان، فلما صليت العصر شربت حبابة قدحا، وتنقلت بحب رمانٍ فشرقت به وماتت، فكمد عليها يزيد، ومات بعد خمسة عشر يوما.
وكان جعفر بن سليمان نهاية في الجلالة والشرف، ولى المدينة للمنصور بعد انقضاء أمر محمد وإبراهيم. فأعطى الأموال. ووصل الشعراء وأمن الناس، وشفع فيهم. ويقال إنه سقط من ظهره إلى الأرض ما به نسمةٌ من ذكرٍ وأنثى.
قال الأصمعي: ما رأيت أكرم أخلاقاً ولا أشرف فعالاً من جعفر بن سليما؛ فتغدينا معه فاستطاب الطعام. فقال لطباخه: قد أحسنت وسأعتقك وأزوجك. فقال الطباخ: قد قلت يا سيدي هذا غير مرة وكذبت. قال: فو الله ما زاد على أن ضحك. وقال لي: يا أصمعي. إنما يريد البائس " وأخلفت " قال الأصمعي: وإذا هو قد رضى بأخلفت.
ذكر الصمعي أن ابن ميادة امتدح جعفر بن سليمان فأمر له بمائة ناقة، فقبل يده وقال: والله ما قبلت يد قرشي غيرك إلا واحداً. فقال: أهو المنصور؟ قال: لا والله. قال: فمن هو؟ قال الوليد بن يزيد فغضب، وقال: والله ما قبلتها لله. قال: ولا يدك والله قبلتها لله، ولكن قبلتها لنفسي. فقال: والله لا ضرك الصدق عندي. أعطوه مائة ناقة أخرى.
غزا اسماعيل بن صالح بن علي فرأى غلاماً من أبناء المقيمين بطرسوس من أملح الناس وآدبهم، فاستصحبه، فقال له الغلام: بلغني أن فيك ملة قال إسماعيل: هي في لها. فضحك الغلام وقال: الآن طابت صحبتك. فصحبه.
دخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون بعد موت أبيه عبد الملك - وقد أمر بقبض ضياعهم - فقال - وهو غلام أمرد: السلام عليك يا أمير المؤمنين. محمد بن عبد الملك، سليل نعمتك، وابن دولتك، وعصنٌ من أغصان دوحتك، أتأذن له في الكلام؟ قال: نعم. تكلم. فحمد اله، وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم، ثم قال: نسأل الله لحياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أقصانا وأدنانا ببقائك يا أمير المؤمنين، ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي أثرك من آثارنا.
ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، هذا مقام العائذ بك تحت ظلك، الهارب إلى كنفك وفضلك، الفقير إلى رحمتك وعدلك.
فوصله وأمر برد ضياع أبيه على ورثته.
ومدح أبو تمام محمد بن عبد الملك، فقال في قصيدة:
أمت بنا عيسنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
فقال له محمد: كأني بك قد قلت:
نأخذ من ماله ونسخر به
فلجلج أبو تمام فقال: يا بن الفاعلة. لقد كنت أستقل لك مائة ألف درهم. وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وكان العباس بن محمد بن علي من مشايخ بني هاشم، وكان أسرى أهل عصره، وكان لبسه من الثياب التي ينسجها أولاد عبيده، وكذلك جميع ما يفرشه، ولا يخدمه في سائر خدمته غيرهم، وكان لا يأكل من النخل ومن سائر الفواكه إلا ما كان من غرسه.