وقال عبد الرحمن التيمي: قال لي عبد الملك: يا عبد الرحمن؛ كن على التماس الحظ بالسكوت أحرص من على التماسه بالكلام. فقد قيل: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم. ولا تساعدني على قبيحٍ، ولا تردن على في محفل، وكلمني بقدر ما استنطقتك واعلم أن حسن الاستماع أحسن من حسن القول. فأرني فهمك في نظرك، واعلم أني جعلتك جليساً مقرباً، بعد أن كنت معلماً مباعداً. ومن لم يعرف نقصان ماخرج منه لم يعرف رجحان ما دخل فيه.
ولما دخل الرشيد إلى منبج قال لعبد الملك: أهذا البلد منزلك؟ قال: هو لك ولي بك. قال: وكيف بناؤك به؟ قال: دون منازل أهلي وفق منازل غيرهم. قال: فكيف صفة مدينتك هذه؟ قال هي عذبة الماء، باردة الهواء، قليلة الأدواء. قال: فكيف ليلها؟ قال: سحرٌ كله. قال: صدقت إنها لطيبةٌ. قال: لك طابت، وبك كملت، أين بها عن الطيب؟ وهي تربةٌ حمراء، وسنبلةٌ صفراء، وشجرةٌ خضراء، أفياف فيحٌ بين قيصوم وشيح. فقال الرشيد لجعفر بن يحيى: هذا الكلام أحسن من الدر المنظوم.
وروى أن صالح بن علي قال لعبد الملك ابنه وه صبي ما بلغ الحلم - في شيء فعله: أتاك هذا من قبل أمك الزانية، فقال: " والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشركٌ " . ثم ولى مغضباً وهو يقول:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدى
ولما ولى الرشيد عبد الملك المدينة قيل ليحيى بن خالد: كيف ولاه المدينة من بين اعماله؟ قال: أحب أن يباهى به قريشا، ويعلمهم أن في بني العباس مثله.
وسمع عبد الملك أصوات الحرس بالليل لما خرج من الحبس في أيام المين، فقال للسندي: ما هذا العار الذي ألزمته السلطان؟ حق بلدان الملوك أن تضبط بالهيبة لا بكثرة الأعوان.
ووجه عبد الملك إلى الرشيد فاكهةً في أطباق خيزران وكتب إليه: أسعدك الله أمير المؤمنين وأسعد بك، دخلت بستاناً لي، أفادنيه كرمك، وعمرته لي نعمك، وقد أينعت أشجاره، وآتت أثماره، فوجهت إلى أمير المؤمنين من كل شيءٍ شيئاً على الثقة والإمكان، في أطباق القضبان، ليصل إلى من بركة دعائه، مثل ما وصل من كثرة عطائه.
فقال رجل: يا أمي رالمؤمنين، ما سمعت أطباق القضبان، فقال الرشيد: يا أبله، إنما كنى عن الخيزران إذ كان اسماً لأمنا.
عاتب عبد الملك يحيى بن خالد في شيءٍ، فقال له يحيى: أعينك بالله أن تركب مطية الحقد. فقال عبد الملك: إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر لأهلهما عندي إنهما لباقيان. فلما ولى قال يحيى: هذا خير قريش. احتج للحق حتى حسنه في عيني.
خطبة يوم الجمعة لمحمد بن سلمان بن علي
" وكان لا يغيرها " الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق " ليظهره علىالدين كله ولو كره المشركون " . من اعتصم بالله ورسوله فقد اعتصم بالعروة الوثقى، وسعد الآخرة والأولى ومن لم يعتصم بالله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه؛ فإنما نحن به وله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعه، وأرضى لكم ما عند الله، فإن تقوى الله أفضل ما تحاث عليه الصالحون وتداعوا إليه، وتواصوا به. واتقوا الله ما استطعتم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
وكان محمدٌ من رجال بني هاشم وشجعانهم، وأمه وأم أخيه جعفر وأخته زينب أم حسنٍ بنت جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وكان له خمسون ألف مولى أعتق منهم عشرين ألفاً.
وخرج يوما إلى باب داره بالمربد في عشيةٍ من عشايا الصيف، فرأى الحر شديدا، فقال: رشوا هذا الموضع، فخرج من داره خمسمائة عبد بخمسمائة قربةٍ مملوءة ماء، فرشوا الشارع حتى أقاموا الماء فيه.
وكانت غلته في كل يوم مائة ألف درهم، وسمع دعاؤه في السحر اللهم أوسع علي؟ فإنه لا يسعني إلا الكثير.
ولما مات امنصو بمكة، وتلوى الناس على الربيع في تجديد البيعة للمهدي، جرد محمد سيقه، وقال: والله لئن امتنع أحدٌ منكم عن البيعة لأرمين برأسه، فبادروا إلى البيعة، فشكر المهدي ذلك فرفعه وزوجه ابنته العباسة، ونقلها إليه، وهي أول بنت خليفةٍ نقلت من بلدٍ إلى بلد.