الأبخاز
فلنرجِع الآن إلى ذكر جبل القبخ والسور والباب والأبواب؛إذ كنا قدذكرنا جملاَ من أخبار الأمم القاطنة في هذا الصقع، فمن ذلك أن أمة تلي بلاد اللان يقال لها الأبخاز منقادة إلى دين النصرانية، ولها ملك في هذا الوقت وملك اللان مستظهر عليهم، وهم متصلون بجبل القبخ، ثم يلي ملك الأبخاز ملك الجورية، وهي أمة عظيمة منقادة إلى دين النصرانية تدعى خزران، ولها ملك في هذا الوقت يقال له الطبيعي، وفي مملكة هذا الطبيعي موضع يعرف بمسجد ذي القرنين، وكانت الأبخاز والخزرية تؤدي الجزية إلى صاحب ثغر تفليس منذ تحت تليس وسكنها المسلمون في أيام المتوكل فإنه كان بها رجل يُقال له إسحاق بن إسماعيل، وكان مستظهراً بمن معه من المسلمين على من حوله من الأمم، وهم منقاعون إلى طاعته وأداء الجزية إليه، وعلا أمر مَن هناك من الأمم حتى بعث المتوكل بعثاً نزل على ثغر تفليس، وأقام عليها محارباً حتى افتتحها بالسيف، وقتل إسحاق بن إسماعيل؛ لأن إسحاق بن إسماعيل كان متغلباً على الناحية، وكانت له أخبار يطول ذكرها، وهي مشهورة في أهل ذلك الصقع وغيرهمِ ممن عني بأخبار العالم، وأراه رجلًا من قريش من بني أُمية أو مولى لاحقاَ، فانخرقت هيبة المسلمين من ثغر تفليس من ذلك الوقت إلى هذه الغاية، فامتنع من جاورهم من الممالك من الإِذعان لهم بالطاعة، واقتطعوا الأكثر من ضياع تفليس، وانقطع الوصول من بلاد الِإسلام إلى ثغر تفليس بين هؤلاء الأمم من الكفار؛ إذ كانت محيطة بذلك الثغر، وأهلها ذوو قوة وبأس شديد، وإن كان ما ذكرنا من الممالك محيطاً بهم.
مملكة الصنارية
ثم يلي مملكة خزران مملكة يُقال لها الصمصخي، نصارى وفيهم جاهلية لاملك لهم، ثم تلي مملكة هؤلاء الصمصخية بين ثغرتفليس وقلعة باب اللان المقدَّم ذكرها مملكة يقال لها الصنارية، وملكهم يقال له كرسكوس، هذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وينقادون إلى دين النصرانية، وهؤلاء النصرانية يزعمون أنهم من العرب من نزار بن معد، من مضر، وأنهم فخذ من عقيل، سكنوا هنالك من قديم الزمان، وهم هناك مستظهرون على كثير من الأمم، ورأيت ببلاد مأرب من أرض اليمن أناساًمن عقيل محالفه لمذحج، لا فرق بينهم وبين أخلافهم لاستقامه كلمتهم، فيهم خيل كثيرة وَمَنَعَة، وليس في اليمن كلها قوم من نزاربن معد غيرهذا الفخذ من عقيل، إلا ما ذكر من ولد أنمار بن نزار بن معد، ودخولهم في اليمن حسب ما ورد به الخبر، وهو ما كان من خبر جريربن عبد اللّه البجَلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من خبر بجيلة، والصنارية يزعمون أنهم افترقوا في قديم الزمان هم ومن سَمَّينا من عقيل ببلاد مأرب في خبر طويل.
مملكة شكين
ثم يلي مملكة الصنارية مملكة شكين وهم نصارى، وفيهم خلق من المسلمين من التجاروغيرهم من ذوي المهن، ويُقالى لملكهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا آزر بن نبيه بن مهاجر.
مملكة قيلة، مملكة الموقان
ثم تليهم مملكة قيلة وماحوت المدينة منها مسلمون، وماحولها من العمائر والضياع نصارى، ويقال لملكهم في هذا الوقت المؤرخ به كتابنا هذا عنبسة الأعور، وهو مأوى اللصوص والصعاليك والدعَّار. ثم تلي هذه المملكة مملكة الموقان، وهي التي قدمنا ذكرها، وأنها متغلب عليها، وأنها مضافة إلى مملكة شروان شاه، وليس هذا البلد المعروف بالموقانية هو الملك الذي على ساحل بحر الخزر، وقد كان محمد بن يزيد المعروف بشروان شاه في هذا الوقت ملك الِإيران شاه هو ومن سلف من آبائه، وكان ملك شروان شاه عليّ بن الهيثم، فلما هلك علي تغلب محمد على شروان شاه على حسب ما ذكرنا آنفاً، بعد أن قتل عمومة له واحتوى على ما ذكرنا من الممالك، وله قلعة لا يذكر في قلاع العالم أحسن منها في جبل القبخ.