فجوزَهَا عني عُقَارا ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعا مطنبا
وقال:
قال: ابْغِنِي المصباح، قلت لَه: اتئدْ ... حَسْبِي وحَسْبُكَ ضوؤها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت لنا حتى الصباح صباحا
قال: وله في هذا الفن أشياء كثيرة قد وصفها في مشابهة النار ومجانسة الأنوار والرفع للظلام، وتصيير الليل نهاراً والظلم أنواراً، مما هو إغراق الواصف واشتطاط المادح، قال: وليس إلى صفة لونها ونورها ما هو أحسن مما وصفها، إذ ليس بعد الأنوار شيء في الحسن، قال: فداخل المستكفي سرور وفرح وابتهاج بما وصف، فقال: ويحك!! فرج عني في هذا الوصف، قال: نعم يا سيدي.
قال عبد اللّه بن محمد الناشئ: وقد كان المستكفي تَرَكَ النبيذ حين أفْضَتِ الخلافة إليه، فدعا بها من وقته، ودعا إلى شربها، وقد كان المستكفي - حين أفضت الخلافة إليه - طَلَبَ الفضل بن المقتدر، على حسب ما قدمنا، لما كان بينهما من العداوة فيما ذكرنا، وغير ذلك مما عنه أعرضنا، فهرب الفضل، وقيل: إنه هرب إلى أحمد بن بُوَيْهِ الديلمي متنكراً، وأحسن إليه أحمد ولم يظهره، فلما مات توزون ودخل الديلمي إلى بغداد وخرج عنها صار إلى ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد اللّه بن حَمْدَان، وانحدر معه هو وابن عمه عبد اللّه بن أبي العلاء، فكان بينه وبين ابن بُوَيْهِ الديلمي من الحرب ما قد اشتهر، وانحاز الديلمي إلى الجانب الغربي ومعه المستكفي والمطيع مُخْتَفٍ ببغداد، والمستكفي يطلبه أشدَّ الطلب، وأنزل المستكفي في بيعة النصارى المعروفة بدُرْنَا من الجانب الغربي.
لابن المعتز في وصف سلة كوامخ
فذكر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق المعروف بابن الوكيل، ومنزلتُهُ من خدمة المستكفي ما قدمنا، قال: كان المستكفي في سائر أوقاته فازعاً وَجِلاً من المطيع أن يلي الخلافة، ويُسَلّم إليه فيحكم فيه بما يريد، فكان صدره يضيق لذلك، فيشكو ذلك في بعض الأوقات إلى من ذكرنا ممن كان يألفه من ندمائه فيشجعونه ويهونون عليه أمر المطيع، إلى أن قال لهم في بعض الأيام: قد اشتهيت أن نجتمع في يوم كذا كذا فنتذاكر أنواع الأطعمة وما قال الناس في ذلك منظوماً، فاتفق معهم على ذلك، فلما كان في اليوم الذي - حضروا أقبل المستكفي فقال: هاتوا، ما الذي أعَدَّه كل واحد منكم. فقال واحد منهم: قد حضرني يا أمير المؤمنين أبيات لابن المعتز يصف سلة فيها سكارج كوامخ، فقال: هاتها، قال:
أمتع بسلة قضبان أتتك وقد ... حَفَتْ جوانبها الجامات أسطار
فيها سكارج أنواع مصففة ... حمر وصفر وما فيهنَّ إنكار
فيهن كامخ طرخون مبوهرة ... وكامخ أحمر فيها وكبار
أعطته شمسُ الضحى لوناً فجاء به ... كأنه من ضياء الشمس عطار
فيهنَّ كامخ مَرْزَ نجُوشَ قابله ... من القرنفل نوع منه مختار
وكامخ الدار صيني فليس له ... في الطعم شِبْة ولا في لونه عار
كأنه المسك ريحاً في تنسمه ... حريف في طعمه والريح معطار
وكامخ الزَّعْتر البريِّ إن له ... لوناً حكاه لدينا المسك والقار
وكامخ الثوم لما أن بصرت به ... أبصرت عطراً له بالأكل أمَّارُ
كأن زيتونها فيها ظلام دُجًى ... في الجنب منه من الممقور أسفار
إذا تأملت ما فيهن من بصل ... كأنهنَّ لجين حَشْوُهُ نار
وسَلْجَمٌ مستدير القد خالطه ... طعم من الخل قد حازته أسطار
كأن أبيضه فيه وأحمره ... دراهم صففت فيهن دينار
في كل ناحية منها يلوح لها نجم ... إلينا بضوء الفجر نظَّارُ
كأنها زهرة البستان قابَلَهَا ... بدر وشمس وإظلام وأنوار
في وصف سلة نوادر
قال المستكفي: تحضر هذه الجونة بعينها على هذا الوصف، وهاتوا، فلسنا نأكل اليوم إلا ما تصفون، فقال آخر من الجلساء: يا أمير المؤمنين لمحمود بن الحسين الكاتب المعروف بكشاجم في صفة سلة نوادر: