لقد فرغ اللّه مما يكون ... ومهما يكن فَهْوَ لا يُكْتَمُ
فأقبل في أمرنا نارٌ ... كما يُقْبل الوابل المثجم
وأتبع فَوْضَى ومرفضة ... كما ارفَضَّ من سلكه المنظم
أو السرب سرب القطاراعه ... من الجو شوانق مظلم
فواصل من كل قسطالة ... كأن عَثَانينها الْعَنْدَمُ
وللمرء من فرج ما تستثير ... سنابكهنَّ سنا مضرم
فجّلى الأغر وصَلّى الكميت ... وسَلّى فلم يُذْمَم الأدهم
وأردفها رابع تالياً ... وأين من المنجد المتهِمُ؟
وما ذمَّ مرتاحها خامساً ... وقد جاء يقدم ما يقدم
وجاء الحَظِيُّ لها سادساً ... فأسهمه حَظَّه المسهم
وسابعها العاطف المستحير ... يكاد لحيرته يُحْرَم
وجاء المؤمل فيها يخيب ... وعَنَّ له الطائر الأشأم
وجاء اللطيم لها تاسعاً ... فمن كان ناحية يُلطَمُ
يخبُّ السكيت على إثره ... وذِفْرَاهُ من قبة أعظم
كأن جوانبه بين ذي ... جمانة نِيطَ بها قمقم
إذا قيل مَنْ ربُّ ذا لم يُحِرْ ... من الخزي بالصمت يستعصم
ومن لا يعد للحلاب الجياد ... وشيك لعمرك ما يندم
وما ذو اقتضاب لمجهولها ... كمن ينتميها ويستلزم
فَرُحْنَا بسبق شُهِرْنَا به ... ونيل به الفخر والمغنم
وأحرزن عن قَصَبَات الرهان ... رغائب أثقالها تقسم
بُرُودٌ من القصب مَوْشِيَّة ... وأكسية الخز والملحم
فراحت عليهنَ منشورة ... كأن حَوَاشِيَهُنَّ الدَّمُ
ومن وَرِق صامت بدرة ... ينوء بها الأغلب الأعصم
فَفُضَّتْ لِنَهْب خواتيمها ... وبدرتنا الدَّهْرَ لا تختم
نوزِّعها بين خُدَّامها ... ونحن لها منهمُ أخدم
وإنا لنرنبط المعربا ... ت في اللَّزَبَاتِ فما ترزم
يعدُّ لها المحض بعد الحليب ... كما يصلح الصبية المفطم
ويَخْلطها بصميم العيال ... بمن له حب هو المحرم
مشاربها الصافيات العذاب ... ومطعمها فَهُوَ المطْعَمُ
فهنَّ بأكناف أبياتنا ... صَوَافِنُ يصهلن أو حُوَّم
ومال محمد بن يزيد في كلمته هذه إلى أنه لاحَظ للثامن، وجعل للسابع حظاً في السبق، والهندسة إجراء الخيل وتجربتها فيما دون الغاية، وإنما سميت الحَلْبة حلبة لأن العرب تحلب إليها خيولها من كل مكان.
قال المتقي: أثْبتَا ما يجري في هذه الأوقات ودَوِّنَاهُ، فلم يزالا معه في ذلك يجددُ لهما البر إلى أن كان من أمره ما قد اشتهر.
وقد تناهى بنا الكلام إلى هذا الموضع من خلافة المتقي؟ فلنذكر الآن بعض من اشتهر شعره في هذا الوقت واستفاض في الناس وظهر.
أبو نصر الخبزأرزي
فمنهم أبو القاسم نصر بن أحمد الخبزأرزي، وهو أحد المطبوعين المجودين في البديهة المعروفين بالغزل؟ فمن جيد شعره قوله:
أنضى الهوى جسدي وبَدَّلَنِي به ... جَسَداً تكوَّنَ من هوى متجسد
ما زال إيجاد الهوى عدمي إلى ... أن صرت لو أعدمته لم أوجد
ومن جيد شعره ما عاتب به ابن لنكك الشاعر، وهو:
لم لا تَرَى لصداقتي تصديقا ... فينا، ولم تَدْعُ الصديق صديقا؟
ذو العقل لا يرضى بوَسْم صداقة ... حتى يرى لحقوقها تحقيقا
فلمن يرجِّي الحق أن يدعى أخا ... وعلى الرفيق بأن يكون رفيقا
إن غاب غاب محافظاً أو حَلَّ كا ... ن مداعباً أو قال كان صدوقا
وفي هذا الشعر يقول:
ويكاد مَنْ عَلِقَ الهوى بفؤاده ... مما تفكر أن يُرَى زنديقا
وقوله: