لنا النصر بعون الله ... والكَرَّة لا الفرَّهْ
وللمرَّاقِ أعدائك ... يَوْمُ السُّوء وَالبرهْ
وكأس تلفظ الموت ... كريه طعمها مرهْ
سَقَوْنَا وسقيناهم ... ولكن لهم آخرهْ
أمينَ اللِّه ثق باللَّه ... تُعْطَ الصبر وَالنُّصْرَهْ
كِل الأمر إلى اللّه ... كَلاكَ اللَّه ذو القدْرِهْ
كذاك الحرب أحْياناً ... علينا ولنا مَرَهْ
وقعة دار الرقيق
وكانت وقعة آخرى عظيمة بشارع دار الرقيق هلك فيها خلق كثير، وكثر القتل في الطرق والشوارع، ينادي هذا بالمأمون والأخر بالمخلوع، ويقتل بعضهم بعضاً، وأنتهبت الدور، فكان الفوز لمن نجا بنفسه من رجل وامرأة بما يسلم معه إلى عسكر طاهر فيأمن على نفسه وماله، وفي ذلك يقول الشاعر:؟؟؟
بَكَتْ عيني عَلَى بغداد لما ... فَقَدْت غضارة العيش الأنيق
تَبذَلنا هموماً من سرور ... ومن سَعَةِ تَبَدًلنا بضيق
أصابتنا من الحُسَّادِ عَين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق
فقوم أحرقوا بالنار قصرا ... ونائحة تَنُوح عَلَىغريق
وصائحة تنادي: يا صحابى ... وقائلة تنادي: يا شقيقي
وَحَوْرَاء المدامع ذات دل ... مُضَمًخَة المجاسد بالخلُوق
تنادي بالشفيق، فلا شفيق ... وقد فقد الشفيق مع الرفيق
وقوم أخرجوا من ظل دنيا ... متاعهمُ يباع بكل سُوق
ومغترب. بعيد الدار ملْقًى ... بلا رأس بقارعة الطريق
توسَطَ من قتالهكمُ جميعاَ ... فما يَدرُونَ من أي الفريق
فلا ولد يقيم عَلَى أبيه ... وقد هرب الصديق عن الصديق
ومهما أنسَ من شيء تَوَلى ... فأني ذاكر دار الرقيق
صرامة العراة
وسأل قائد من قوَاد خراسان طاهراً أن يجعل له الحرب في يومها له فيه، ففعل طاهر له ذلك، فخرج القائد وقد حقرهم، وقال: ما يبلغ من كيد هؤلاء، ولا سلاح معهم، مع ذوي البأس والنجدة والسلاح والعدَّة، فبصر به بعض العراة وقد راماه مدة طويلة حتى فنيت سهام القائد، وظن أن العريان فنيت حجارته، فرماه بحجر بقيت في المخلاة، وقد حمل عليه القائد، فما أخطأ عينه، وثناه بحجرآخر، فكاد يصرع القائد عن فرسه، ووقعت البيضة عن رأسه، فكَر راجعاً وهو يقول: ليس هؤلاء بناسٍ، هؤلاء شياطين، ففي ذلك يقول أبويعقوب الخريمي:
الكَرْخ أسواقُه مُعَطَّلَة ... يستن عَيًارُهَا وعابرها
خَرَّجَتِ الحربُ من أراذلهم ... أسُود غِيل عَلَتْ قساورها
وقال علي الأعمى :
خَرًجَتْ هذه الحُرُوبُ رجال ... لا لقحطان، لا، ولا لنزار
معشر في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالليوث الضوَارِي
ليس يدْرُونَ ما الفرار إذا ما ... الأبطال عاذوا من الفنا بالفرَار
واحد منهمُ يشدُ على الذين ... عرْيان ما له من إ زَار
ويقول الفتى إذا طعن الطعنة: ... خُذْهَا من الفتى العيارِ
الوقائع الحاسمة
واشتَدّ القتال في كل يوم، وصبر الفريقان جميعاً، وصار حامية المخلوع وجنده العُرَاة أصحاب خُوَذ الخوص ودرق البواري، وضايق طاهر القوم، وأقبل يقتطع من بغداد الشارع بعد الشارع، ويصير في حيزه أهل تلك الناحية معاونين له في حربه، وأقبل الهدم يكثر فيما ليس من حيزه، ثم جعل يحفر الخنادق بينه وبين أصحاب المخلوع في مواضع الدور والمنازل والقصور، وأصحاب طاهر في قوة وإقبال، وأصحاب المخلوع في نقص وإدبار، وأصحاب طاهر يهدمون، وأصحاب المخلوع يأخذون بعض الدور من خشب وأثواب وغير ذلك، وينهبون المتاع، فقال رجل من المحمدية:
لنا كل يوم ثلمة لانسدُّهَا ... يزيدون فيما يطلبون وننقص
إذا هَدَمُوا داراً أخذنا سُقُوفها ... ونحن لأخرى مثلها نتربص