وولى معاوية ابنه عبد اللّه بن عمرو ما كان لأبيه.
تركته
وخلف عمرو من العَيْنِ ثلثمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار، ومن الوَرِقِ ألف درهم وغلة مائتي ألف دينار بمصر وضيعته المعروفة بمصر بالوهط قيمتُها عشرة آلاف ألف درهم.
وفيه يقول ابن الزَبِيرِ الأسدي الشاعر من أبيات:
ألم تر أن الدهر أخنتْ صُرُوفُه ... على عمروٍ السهمي تُجْبِى له مصر
فلم يُغْنِ عنه حَزْمه واحتياله ... ولا جمعه لَمَّا أتيح له الدهر
وأمْسَى مقيما بالعَرَاء وضللت ... مكايدة عنه وأمواله الدَّثر
وفي سنة خمس وأربعين وَلّى معاويةُ زيادَ بن أبيه البصرةَ وأعمالها، وقال لما دخلها:
ألا ربَّ مسرورٍ بنا لا نسره ... وآخرمحزون بنا لا نضرة
وقد كان معاوية أغْرَى في هذه السنة سفيان بن عوف العامري، وأمره أن يبلغ الطوانة فأصيب معه خلق من الناس، فعمَّ الناسَ الحزنُ بمن أصيب بأرض الروم، وبلغ معاوية أنّ يزيد ابنه لما بلغه خبرهم وهو على شرابه مع ندمائه قال:
أهْوِنْ عَلًيّ بما لاقت جموعهُمُ ... يوم الطوانة من حمَى ومن مُوم
إذا اتكأت على الأنماط مرتفقا ... بدير مًرانَ عندي أم كلثوم
أبو أيوب الأنصاري:
فحلف عليه ليغزوَنَ، وأردف به سفيان، فسميت هذه الغزاة غزاة الرادفة، وبلغ الناسُ فيها إلى القسطنطينية، وفيها مات أبو أيوب الأنصاري ودُفن هناك على باب القسطنطينية، واسم أبي أيوب خالد بن زيد، وقد قيل: إن أبا أيوب مات في سنة إحدى وخمسين غازياً مع يزيد، وقد أتينا على خبر هذه الغَزَاة، وما كان من يزيد فيها في الكتاب الأوسط.
المغيرة بن شعبة
وفي سنة تسع وأربعين كان الطاعون بالكوفة، فهرب منها المغيرة بن شعبة وكان واليها، ثم. عاد إليها فطعن فمات، فمرِّ أعرابي عليه وهو يدفن فقال:
أرَسْمَ ديار للمغيرة تعرف ... عليها دَوِيّ الإنس والجن تعزف
فإن كنت قد لاقيت هامان بعدنا ... وفرعون فاعلم أن ذا العرش مُنْصِفُ
وذكر أن المغيرة ركب إلى هند بنت النعمان بن المنذر، وهي في دير لها في الحِيرَةِ مترهبة، وهو أمير الكوفة يومئذ، وقد كانت هند عميت، فلما جاء الدير استأذن عليها، فأتتها جاريتها فقالت: هذا المغيرة يستأذن عليك، فقالت للجارية: ألقي إليه أثاثاً، فألقت إليه وسادة من سَعَرٍ، فلما دخل قعد عليها وقال: أنا المغيرة، فقالت له: قد عرفتك عامل المدرة، فما جاء بك؟ قال: أتيتك خاطباً إليك نفسك، قالت: أما والصليب لو أردتني لِدِيِنِ أو جمال ما رجَعْتَ إلا بحاجتك، ولكني أخبرك الذي أردت ذلك له، قاَل: وما هو. قالت: أردت أن تتزوجني حتى تقوم في الموسِم في العرب فتقول: تزوجت ابنة النعمان، قال: ذلك أرَدْتُ، ولكن أخبريني ما كان أبوك يقول في هذا الحي من ثقيف؟ قالت: كان ينسبهم في إياد، وقد افتخر عند رجلان من ثقيف أحدهما من بني سالم والأخر من بني يسار، فسألهما عن أنسابهما، فانتسب أحدهما إلى هَوَازن والآخر إلى إياد، فقال أبي: ما لحي معد على إياد فضل، فخرجا وأبي يقول:
إن ثقيفاً لم تكن هوازناً ... ولم تناسب عامراً ومازنا
إلا حديثاً وَافَق المحاسنا
فقال المغيرة: أمَّا نحن فمن هوازن وأبوك أعلم، قال: فأخبريني أي العرب كان أحب إلى أبيك. قالت: أطوعهم له، قال: ومن أولئك؟ قالت: بكر بن وائل، قال: فأين بنو تميم. قالت: ما استعنتهم في طاعة، قال: فقيس؟ قالت: ما اقتربوا إليه بما يحب إلا استعقبوه بما يكره، قال: فكيف أطاع فارس. قالت: كانت طاعته إياهم فيما يهوى، فانصرف المغيرة.
ولما هلك المغيرة ضم معاوية الكوفة إلى زياد، فكان أوَّلَ من جمع له ولاية العراقين البصرة والكوفة. وفي سنه ثمان وأربعين قَبَضَ معاوية فَدكَ من مروان بن الحكم، وقد كان وهبها له قبل ذلك، فاستردها.
وقد كان معاوية حجَّ في سنة خمسين، وأمر بحمل منبر النبي صلى الله عليه وسلم، من المدينة إلى الشام، فلما حمل كسفت الشمس ورؤيت الكواكب بالنهار، فجزع من ذلك وأعْظَمَه، وردَه، إلى موضعه، وزاد فيه ستة مراقي.
موت زياد.